إسرائيل وتركيا.. لعبة النفوذ ومستقبل الصراع في سوريا

| أحمد جعفر

‭ ‬منذ‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬أضحت‭ ‬سوريا‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬إسرائيلي‭ ‬تركي‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬بسطت‭ ‬إسرائيل‭ ‬سيطرتها‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬الجنوب‭ ‬السوري‭ ‬بدعم‭ ‬الجهات‭ ‬الفاعلة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬للأقلية‭ ‬الدرزية،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬الضربات‭ ‬الجوية‭ ‬شبه‭ ‬المنتظمة،‭ ‬كرست‭ ‬تركيا‭ ‬نفوذها‭ ‬شمالي‭ ‬البلاد‭ ‬بدعمها‭ ‬الفصائل‭ ‬السنية‭ ‬والجماعات‭ ‬التركمانية،‭ ‬وخلقت‭ ‬واقعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭ ‬أشبه‭ ‬بحكم‭ ‬المقاطعات،‭ ‬بتداول‭ ‬عملتها‭ ‬الليرة،‭ ‬وإدراج‭ ‬مناهج‭ ‬تعليمية‭ ‬موالية‭ ‬لأنقرة‭.‬

وبينما‭ ‬تتطلع‭ ‬تركيا،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬الداعمين‭ ‬لاستقرار‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية،‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬امتيازات‭ ‬استراتيجية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قواعد‭ ‬عسكرية،‭ ‬تسعى‭ ‬إسرائيل‭ ‬لإنشاء‭ ‬منطقة‭ ‬عازلة‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬تخضع‭ ‬لسلطة‭ ‬محلية‭ ‬موالية‭ ‬لها،‭ ‬واللعب‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬دقيقة‭ ‬بإضعاف‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬مع‭ ‬تجنب‭ ‬سقوطها‭ ‬خشية‭ ‬وصول‭ ‬جماعات‭ ‬أكثر‭ ‬تطرفًا‭ ‬للسلطة،‭ ‬وذلك‭ ‬لإبعاد‭ ‬أية‭ ‬تهديدات‭ ‬مستقبلية‭ ‬عنها‭.‬

مؤخرًا،‭ ‬سار‭ ‬البلدان‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬تصادمي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتوصلا‭ ‬إلى‭ ‬تفاهمات‭ ‬واضحة‭ ‬عندما‭ ‬جلسا‭ ‬معًا‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬أذربيجان‭ ‬خلال‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭. ‬ومع‭ ‬تراجع‭ ‬نفوذ‭ ‬إيران‭ ‬وصعود‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتركيا‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬فإن‭ ‬المنافسة‭ ‬محتدمة‭ ‬بين‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬وأنقرة،‭ ‬ولكن‭ ‬السؤال‭ ‬كيف‭ ‬ستتم‭ ‬إدارة‭ ‬المواجهة‭: ‬بالسلم‭ ‬أم‭ ‬الحرب؟‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يقول‭ ‬الخبير‭ ‬تريتا‭ ‬بارسي،‭ ‬وهو‭ ‬المؤسس‭ ‬المشارك‭ ‬ونائب‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬لمعهد‭ ‬كوينسي‭ ‬لفن‭ ‬إدارة‭ ‬الدولة‭ ‬المسؤول،‭ ‬“إن‭ ‬إسرائيل‭ ‬بدأت‭ ‬تلتفت‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬التالية‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬إخضاعها‭ ‬لتحقيق‭ ‬الهيمنة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬أي‭ ‬تركيا”‭.

وبحسب‭ ‬التحليل‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬بارسي‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬فإن‭ ‬فالعقيدة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬السيطرة،‭ ‬وفق‭ ‬تعبيره‭.‬

وعلى‭ ‬وقع‭ ‬التنافس‭ ‬الإقليمي،‭ ‬تطورت‭ ‬الخلافات‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتركيا‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬عقب‭ ‬اعتراف‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬بالإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬للأرمن‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬قطع‭ ‬العلاقات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومنع‭ ‬تحليق‭ ‬الطائرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬فوق‭ ‬الأجواء‭ ‬التركية‭.‬

كل‭ ‬تلك‭ ‬المؤشرات‭ ‬دفعت‭ ‬المراقبين‭ ‬إلى‭ ‬رسم‭ ‬سيناريوهات‭ ‬خطيرة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتركيا‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭.‬

وللإجابة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التساؤل،‭ ‬تحدثت‭ ‬إلى‭ ‬الخبير‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العسكرية‭ ‬والاستخباراتية،‭ ‬يوسي‭ ‬ميلمان،‭ ‬وهو‭ ‬كاتب‭ ‬عمود‭ ‬مخضرم‭ ‬بصحيفة‭ ‬“هآرتس”‭ ‬ذات‭ ‬الميول‭ ‬اليسارية،‭ ‬والذي‭ ‬استبعد‭ ‬تلك‭ ‬الفرضية‭.‬

يقول‭ ‬لي‭ ‬ميلمان‭ ‬إن‭ ‬“أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والتركية‭ ‬تتجسس‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬وتتابع‭ ‬التطورات‭ ‬في‭ ‬سوريا”،‭ ‬وهذه‭ ‬المعادلة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وفقًا‭ ‬للكاتب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الشهير،‭ ‬جاءت‭ ‬أصلًا‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬علاقات‭ ‬وصلت‭ ‬“لأدنى‭ ‬مستوى‭ ‬لها”‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬بسبب‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬و”إيواء‭ ‬تركيا‭ ‬قادة‭ ‬حماس‭ ‬الجدد‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬القديم‭ ‬الذين‭ ‬تمت‭ ‬تصفيتهم‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬إسرائيل”‭.‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬العلاقات‭ ‬المتوترة،‭ ‬بحسب‭ ‬ميلمان،‭ ‬فإن‭ ‬“الموساد”‭ ‬و”MIT”‭ (‬الاستخبارات‭ ‬التركية‭) ‬لا‭ ‬يزالان‭ ‬يتعاونان‭ ‬عند‭ ‬المصلحة‭ ‬المشتركة،‭ ‬مثل‭ ‬الجهود‭ ‬الإيرانية‭ ‬لاختطاف‭ ‬وقتل‭ ‬إسرائيليين‭ ‬ويهود‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬التركية،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬عامين‭.‬

المؤكد‭ ‬أن‭ ‬أولوية‭ ‬إسرائيل‭ ‬الآن‭ ‬هي‭ ‬إضعاف‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬وتحييد‭ ‬أي‭ ‬خطر‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬طهران‭ ‬ووكلائها‭ ‬بالمنطقة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬فتح‭ ‬جبهة‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬تركيا؛‭ ‬فإسرائيل‭ ‬“لديها‭ ‬ما‭ ‬يكفيها‭ ‬من‭ ‬الجبهات‭ ‬المفتوحة،‭ ‬وليست‭ ‬لديها‭ ‬أية‭ ‬نية‭ ‬للتصعيد‭ ‬مع‭ ‬أنقرة،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬ستبذل‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعها‭ ‬لتجنب‭ ‬مواجهة‭ ‬عسكرية”،‭ ‬حسبما‭ ‬يقول‭ ‬ميلمان‭.‬

وباعتقادي،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استبعاد‭ ‬احتمال‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بشكل‭ ‬كلي،‭ ‬لكن‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬مؤجلة‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬حسم‭ ‬الصراع‭ ‬الوجودي‭ ‬مع‭ ‬طهران،‭ ‬بحيث‭ ‬قد‭ ‬يستفيد‭ ‬منها‭ ‬نتنياهو‭ ‬كورقة‭ ‬جديدة‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬وظف‭ ‬لصالحه‭ ‬حرب‭ ‬غزة‭ ‬والمعركة‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتجدد‭ ‬خلال‭ ‬أية‭ ‬لحظة‭.‬

وفي‭ ‬غضون‭ ‬ذلك،‭ ‬ستبقى‭ ‬دمشق‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬بسط‭ ‬سيادتها‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬ترابها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صراع‭ ‬النفوذ‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬التركي‭ ‬المتنامي‭. ‬والأخطر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬البائس‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬بالمنطقة‭: ‬دول‭ ‬مفككة،‭ ‬منقسمة‭ ‬وضعيفة‭ ‬يسهل‭ ‬التدخل‭ ‬فيها‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني