خربشات في الذاكرة (2)

| كمال الذيب

فجأة‭ ‬سكت،‭ ‬ظل‭ ‬واجمًا،‭ ‬عيناه‭ ‬تحدقان‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬الغرفة،‭ ‬يكاد‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بوجود‭ ‬الطبيب‭ ‬أمامه،‭ ‬وجهه‭ ‬متيبس‭ ‬كأنه‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬حجر‭ ‬جبلٍ‭ ‬بنيِّ‭.. ‬أشعث،‭ ‬شعره‭ ‬أشيب‭ ‬مبعثر،‭ ‬يوحي‭ ‬بعدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمظهر،‭ ‬بعكس‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬ترتيب‭ ‬وعناية‭ ‬وأناقة‭.‬

قال‭ ‬الطبيب‭:‬

‭- ‬دعنا‭ ‬نراجع‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتذكره‭ ‬اليوم،‭ ‬حصيلة‭ ‬الكلمات‭ ‬والأسماء‭ ‬والذكريات،‭ ‬حتى‭ ‬نشخص‭ ‬الحالة‭ ‬بالضبط؟‭ ‬إنه‭ ‬تمرين‭ ‬التذكّر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬التقرير‭ ‬النهائيّ‭.‬

كرّر‭ ‬الطبيب‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬المعتادة‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬طرحها‭ ‬في‭ ‬الجلسات‭ ‬السابقة‭ ‬وكأنه‭ ‬يدربه‭ ‬على‭ ‬حفظ‭ ‬جدول‭ ‬الضرب‭: ‬

‭- ‬هل‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬تتذكّر‭ ‬اسم‭ ‬فلان‭ ‬وفلانة؟‭ ‬ماذا‭ ‬تفعل‭ ‬عندما‭ ‬تنهض‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬في‭ ‬الصّباح؟‭ ‬هل‭ ‬تعرف‭ ‬وجهتك‭ ‬عندما‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬البيت؟‭ ‬متى‭ ‬وإلى‭ ‬أين؟

ردّ‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬بلا‭ ‬مبالاة‭ ‬بادية،‭ ‬وتجاهل‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭: ‬“هذه‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرة،‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬الإجابة‭ ‬عنها‭. ‬أتذكر‭ ‬بعض‭ ‬الأشياء‭ ‬وأخرى‭ ‬لا‭ ‬أتذكرها‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬تحوم‭ ‬في‭ ‬دماغي‭ ‬ولا‭ ‬أجد‭ ‬الكلمات‭ ‬لأخرجها‭!‬”‭.‬

قال‭ ‬الطبيب‭:‬

‭- ‬حدثني‭ ‬عن‭ ‬الأشياء‭ ‬والأسماء‭ ‬والصور‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتذكرها،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ترتيب‭.‬

غمغم‭ ‬بصوت‭ ‬متقطع‭: ‬“الصور‭ ‬غائمة‭.. ‬تذكّر‭ ‬الأسماء‭ ‬أصعبها،‭ ‬يحرجني‭ ‬يوميًّا‭ ‬مع‭ ‬الأهل‭ ‬ومع‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬وعندما‭ ‬ألتقيهم‭ ‬أعرفهم‭ ‬وأتذكر‭ ‬وجوههم‭ ‬وأصواتهم،‭ ‬ولكن‭ ‬لا‭ ‬أعثر‭ ‬على‭ ‬أسمائهم‭ ‬إلا‭ ‬قليلًا‭ ‬منهم‭.. ‬اسم‭ ‬الجدِّ‭ ‬علي‭ ‬لا‭ ‬أنساه‭.. ‬صالح،‭ ‬سالم،‭ ‬أمّي،‭ ‬خالتي،‭ ‬خالي،‭ ‬وصديقي‭ ‬نوّار‭.. ‬هذه‭ ‬الأسماء‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عالقةً‭ ‬في‭ ‬دماغي،‭ ‬ساكنة‭ ‬في‭ ‬داخلي،‭ ‬لن‭ ‬أنساها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬فقدت‭ ‬عقلي”‭.

الأسماء‭ ‬التي‭ ‬تسألني‭ ‬عنها‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أتذكرها‭ ‬تقريبًا‭. ‬صورة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬وأراها‭ ‬كل‭ ‬مساء،‭ ‬كنت‭ ‬أطير‭ ‬من‭ ‬فوق‭ ‬البناية‭ ‬الزرقاء،‭ ‬كطائر‭ ‬أبيض‭ ‬يفتح‭ ‬جناحيه‭ ‬فوق‭ ‬الجموع‭ ‬المحتشدة‭!‬”‭.‬

قال‭ ‬الطبيب‭ ‬وكأنه‭ ‬يحدّث‭ ‬نفسه‭:‬

‭- ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بعض‭ ‬النسيان‭ ‬مفيدًا،‭ ‬يحررنا‭ ‬من‭ ‬الوجع‭ ‬والألم‭. ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬محظوظًا‭ ‬بنسيان‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الأسماء،‭ ‬من‭ ‬يدري‭! ‬كل‭ ‬أمر‭ ‬تنساه‭ ‬تنسى‭ ‬معه‭ ‬وجعًا‭.‬

أضاف‭ ‬الطبيب‭ ‬معبرًا‭ ‬عن‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الانزعاج‭:‬

‭- ‬لقد‭ ‬تأخرت‭ ‬طويلًا‭ ‬عن‭ ‬الموعد‭. ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تتناول‭ ‬الأدوية،‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬تدهور‭ ‬حالتك‭.‬

رد‭ ‬بهدوء‭ ‬وكأنه‭ ‬غارق‭ ‬في‭ ‬حلم‭ ‬بعيد‭: ‬“بالعكس‭ ‬أشعر‭ ‬بأني‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬حال‭. ‬لا‭ ‬تقلق‭ ‬أيها‭ ‬الطبيب‭ ‬المحترم‭.. ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬أحسن‭ ‬حالا‭ ‬عندما‭ ‬أنسى‭ ‬كل‭ ‬الأشياء”‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني