خربشة ومغزى | "الحطيئة.. هجّاء مداح أشتهر"
| احمد عبدالله الحسين
الحديث عن الشاعر الحطيئة يتشعب، وهو ذائع الخبر عند الأدباء وأهل السير، ولِد قبل البعثة النبوية وعاش صدر الإسلام. لُقِّب الحطيئة لدلالة معنى إلى ما صَغُرَ أو دَنَا من الأرض، وفي هذا تشبيه وصف قصَر قامته وقربها من الأرض. واسمه أبو مليكة الجرول الحطيئة العبسي، وهنالك جدل في نسبة.
أشتهر شعر الحطيئة في الهِجَاء والذم، وهو عنده أكثر من المدح. قيل إن طينة شعره فيها متانة وتنظيم مُقفى، بل يتأنى في صَّقل صُّوَر حسية واقعية. وحين يمدح يُهَدْهِدَ في أوزان وقوافي يكسي ألفاظه نفخ وتبجيل وكرم أرومة بُغية تزلَّف وتكسَّب.
شعر الحطيئة ذاع بين الناس وهم يتجنبوه، لأنه غريف لسان فيه لفح سبّ وانتقاص ووقيعة، حتى طال هذا نفسه، وأمه، وأباه، وقومه. وهو هجّاء يلمز النبل والكرم والهمّة يؤلم بها غيره.
العرب تقول؛
هِجَاء هو سَّبُّ وشَّتْمُ وتعْدِيد معايب، والهجَّاءُ هو من يُكثِر سَبَّ غيره ويفصل مثالبه، والهِجَاء فيه معنى مُطلق خلاف القذْف فهو يخص.
الحطيئة حينما تيقّظت عنده قريحة الشعر لازم زهير بن أبي سلمى يتعلم منه كحال كعب ولد زهير. بل يُذكر أن الحطيئة كان يروى شعر كعب أيضا. وتابع الحطيئة زهير في تقليده بتصفية شعره من زوائد وشوائب. وبهذا وصف الأصمعي زهير والحطيئة بقوله؛"زهير بن أبي سلمى والحطيئة وأشباههما، عبيد الشعر"، أراد بذلك أنهما يُعيدا النظر في كل بيت شعر حتى تستوي جودته، حتى يُروى أن زهيرا كان ينظم القصيدة في شهر، وينقحها ويهذبها في سنة، وكانت تسمى قصائده حوليات زهير.
ذكر الحطيئة سحبني إلى خميرة ذاكره حينما حضرت حفل منذ عقود مضت، ندبني بعض الصحب، وهم لهم اعتبار وظيفي أن أرتجل كلمة عنهم في توديع مسؤول رفيع، فقلت ما ناسب المقام ثم استعرت في الختام بيت شعر الحطيئة وحولته إلى مغزى ونصح عام لمن تولى زمام أعمال يقود فيها بشر. وهذا البيت هو؛
دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا
وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي
البيت هو من قصيدة جاء فيها أيضا؛
لَمّا بَدا لِيَ مِنكُم غَيبُ أَنفُسِكُم
وَلَم يَكُن لِجِراحي مِنكُمُ آسي
أَزمَعتُ يَأساً مُبيناً مِن نَوالِكُمُ
وَلَن تَرى طارِداً لِلحُرِّ كَالياسِ
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل لِبُغيَتِها
وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ
لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
استشرفت معنى من هذا البيت مجاز؛ أن القائد هو ذاك الذي يبتعد عن سوط جلد الذات، ونفخ توبيخ وتهوين فريق عمله، وأحيانا يتهم فريقه أن مراقي اهداف تطلبهم وهم عزمهم دون المتوقع، وفيها فلتات حِدّة لفظية، مثل هذا النمط القيادي لا يفتق همم أو يزيد بذل، بل ثالم حماسة وروح العمل. ذكرت هذا في تأويل بيت الشعر للإداريين وبعضهم تطاله مثل هذه المعاني.
قصة بيت الشعر هو جاء في هِجَاء الحطيئة حينما لم يطيب له جوار الزّبرقان بن بدر والي المدينة المنورة فذمه بقول؛
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها
واقعد فإنّك أنت الطاعمُ الكاسي
يقصد أنه لا يرتقي للمكارم ولا يفعل شيء سوى الأكل والجلوس ولا يبادر بالسعي نحو شيء.
تلك حكاية اشتكى فيها الزبرقان على الحطيئة عند عمر بن الخطاب، إذ قال له عمر: ما أعلمه هجاك، أما ترضى أن تكون طاعم كاسي.
رد الزبرقان؛ إنّه لا يكون في الهجاء أشدّ من هذا، ثم أرسل عمر إلى حسّان بن ثابت، فسأله عن ذلك، فقال: لم يهجه، ولكن سلح عليه، فحبس عمر الحطيئة، وقال؛ يا خبيث لأشغلنّك عن أعراض المسلمين، ولم يخرجه عمر إلا بعهد ألا يهجو أحدا مرة أخرى.
هكذا هِجَاء الحطيئة يتخطَّى كل متوقع حتى أنه يوما لم يجد احدا يهجوه، فنظر الى ماء في بئر فظهر له قُبح وجهه فقال؛
أَرَى لِي وَجْهاً شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقهُ
فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهْ
المتأمل إلى بواعث الهِجَاء يرى احتمال أنه طبع في الإنسان يُغديه لؤمٍ ومكر، أو قد يكون رد على طعن وذود عن كرامة. والحطيئة له ميل فيه وطبع، وهو يقول؛
أَبَتْ شَفَتَايَ الْيَوْمَ إِلَّا تَكَلُّماً
بِشَرٍّ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهْ
وهناك أشعار للحطيئة فيها وصف ومديح وذكر منازل نجد منها؛
بذي قرقرى إذ اشهد الناس حولنا
فأسديت ما أعيى بكفيك ناثره
قرقرى؛ وادي في بطين ضرما
وكذلك ذكر الحطيئة؛
الله قد نجاك من أراط
ومن زليفات ومن لغاط
فالزليفات المذكورة في هذا البيت هي (بلد الزلفي) والتابع لها من القرى يقال لها زليفات، وقد ورد لها ذكر في أشعار العرب وأخبارها، وهي تحمل هذا الاسم. ولغاط هي ديرة الغاط في وقتنا الحاضر.
هكذا لازم الهجاء الشعري اسم الحطيئة وهي بصمة أشتهر بها ولم ينقطع منها، وهي آفة وبلاء توالت عبر الأزمان، وأيامنا لا تخلو منها، تراها في الكلام وصرير الأقلام، ونفث في منصات تواصل بغيا، وعدوانا، وتزويرا، وبهتانا.