مُلتقطــات

قُبْلَةُ سَوَادَة!

| د. جاسم المحاري

يبقى‭ ‬الالتزام‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفرد‭ ‬الواحد‭ ‬أو‭ ‬الجماعة‭ ‬المُتكتلة‭ - ‬بتأدية‭ ‬الواجبات‭ ‬والوعي‭ ‬بحفظ‭ ‬الحقوق‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تجنب‭ ‬المشاكل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ومعضلاتها‭ ‬وتفادي‭ ‬انتشار‭ ‬الظلم‭ ‬وتبعاته‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬ضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬البينة‭ ‬وإكرام‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬الحقة؛‭ ‬هو‭ ‬ما‭ (‬يحتّمه‭) ‬بُدًا‭ ‬سيادة‭ ‬مبدأ‭ ‬“الأحقية‭ ‬والواجبية”‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬تشعبات‭ ‬الحياة‭ ‬الخاصة‭ ‬والعامة‭ ‬للمرء‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬والذي‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬تأثر‭ ‬وتأثير‭ ‬ليس‭ ‬بمقدوره‭ ‬فيها‭ ‬الانزواء‭ ‬عنها‭ ‬وسط‭ ‬عالم‭ ‬فسيح‭ ‬يظل‭ ‬–‭ ‬هو‭ ‬–‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬منه،‭ ‬ويختلط‭ ‬فيه‭ ‬وفق‭ ‬فطرة‭ ‬بشرية‭ ‬خالصة‭ ‬تلتزم‭ ‬علائق‭ ‬الحقوق‭ ‬الكاملة‭ ‬وتلزم‭ ‬مُعطيات‭ ‬الواجبات‭ ‬المُناطة‭ ‬على‭ ‬أوجه‭ ‬أقصى‭ ‬متطلبات‭ ‬الحياة‭ ‬الأساسية‭ ‬وصنوف‭ ‬مبالغ‭ ‬ضروريات‭ ‬الجميع‭ ‬المهمة‭.‬

البيئة‭ ‬“المتوسمة”‭ ‬بالصدق‭ ‬والأمانة‭ ‬دون‭ ‬نقصان‭ ‬أو‭ ‬تقصير،‭ ‬والتي‭ ‬تصطبغ‭ ‬بالمساواة‭ ‬والعدالة‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬أو‭ ‬تفرقة،‭ ‬تتبوأ‭ ‬بأكمل‭ ‬فضائل‭ ‬العقل‭ ‬وتضمن‭ ‬لهذا‭ ‬الفرد‭ ‬وتلك‭ ‬الجماعة‭ ‬عيشًا‭ ‬يحقّق‭ ‬العزّة‭ ‬والكرامة‭ ‬ويرتقي‭ ‬بالمهارات‭ ‬والقدرات‭ ‬التي‭ ‬تصون‭ ‬جنبات‭ ‬الحقّ‭ ‬والمكتسب،‭ ‬وتمنح‭ ‬فرص‭ ‬الحياة‭ ‬والحرية‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬أمّهات‭ ‬من‭ ‬المثوبة‭ ‬العظيمة‭ ‬والخلق‭ ‬الرفيع‭ ‬الذي‭ ‬يولّد‭ ‬رفعةً‭ ‬ويجتلب‭ ‬محبّةً‭ ‬كما‭ ‬وصفها‭ ‬الخليفة‭ ‬الراشدي‭ ‬الرابع‭ ‬الإمام‭ ‬علي‭ (‬ع‭) ‬بقوله‭: ‬“الإنصاف‭ ‬يستديم‭ ‬المحبّة”‭ ‬و”بالنّصفة‭ ‬يكثر‭ ‬المواصلون”‭ ‬و”المنصف‭ ‬كثير‭ ‬الأولياء‭ ‬والأودّاء”‭.‬

نافلة‭:‬

ونحن‭ ‬ننعم‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬بوَهَجَ‭ ‬مولده‭ ‬المبارك‭ ‬ووروده‭ ‬أرض‭ ‬المدينة‭ - ‬لا‭ ‬بأس‭ - ‬أنْ‭ ‬نستلهم‭ ‬النّزر‭ ‬القليل‭ ‬من‭ ‬سيرته‭ ‬العطرة‭ ‬دروسًا‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬للحقوق‭ ‬وعبرًا‭ ‬عن‭ ‬الالتزام‭ ‬بالواجبات‭.

حين‭ ‬نادى‭ (‬ص‭) ‬أيُّها‭ ‬الناس‭: ‬إنّ‭ ‬ربّي‭ ‬أقسم‭ ‬وحتّم‭ ‬ألا‭ ‬يُجاز‭ ‬عن‭ ‬ظلم‭ ‬ظالم‭ ‬ولا‭ ‬يعفو‭ ‬عن‭ ‬قصاص‭ ‬مظلوم،‭ ‬فمَنْ‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬قبلي‭ ‬تبعة‭ ‬أو‭ ‬مظلمة‭ ‬فليقتص‭ ‬منّي؛‭ ‬فإنّ‭ ‬القصاص‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬أحبّ‭ ‬إليّ‭ ‬من‭ ‬قصاص‭ ‬الآخرة،‭ ‬فقام‭ ‬إليه‭ ‬شيخ‭ ‬كبير‭ ‬يُقال‭ ‬له‭ ‬“سوادة‭ ‬بن‭ ‬قيس”‭ ‬فقال‭: ‬لمّا‭ ‬أقبلت‭ ‬من‭ ‬الطائف‭ ‬وأنت‭ ‬على‭ ‬ناقتك‭ ‬العضباء‭ ‬وبيدك‭ ‬القضيب‭ ‬الممشوق،‭ ‬رفعت‭ ‬القضيب‭ ‬تريد‭ ‬الناقة؛‭ ‬فأصاب‭ ‬بطني،‭ ‬فلا‭ ‬أدري‭ ‬عمدًا‭ ‬أم‭ ‬خطأ؟‭ ‬فنفى‭ ‬الحبيب‭ ‬المصطفى‭ (‬ص‭) ‬تعمده،‭ ‬وقال‭ ‬لبلال‭ ‬ائتني‭ ‬بالقضيب‭ ‬الممشوق‭. ‬ثم‭ ‬ناوله‭ (‬ص‭) ‬لسوادة،‭ ‬وقال‭ ‬له‭: ‬قمُ‭ ‬ْواقتص‭ ‬مني‭ ‬حتّى‭ ‬ترضى،‭ ‬فقال‭ ‬له‭: ‬اكشف‭ ‬لي‭ ‬عن‭ ‬بطنك،‭ ‬والناس‭ ‬تنظر‭ ‬ودموعهم‭ ‬تسيل‭ ‬على‭ ‬خدودهم‭! ‬فقال‭ ‬سوادة‭: ‬أتأذن‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬أضع‭ ‬فمي‭ ‬على‭ ‬بطنك؟‭ ‬فقال‭ (‬ص‭): ‬أذنت‭ ‬لك،‭ ‬فأخذ‭ ‬يقبل‭ ‬بطنه‭ ‬الشريف،‭ ‬ويقول‭: ‬أعوذ‭ ‬برب‭ ‬العزة‭ ‬والجلالة‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬ومن‭ ‬القصاص،‭ ‬فقال‭ (‬ص‭): ‬يا‭ ‬سوادة‭ ‬أتقتص‭ ‬أم‭ ‬تعفو؟‭ ‬فقال‭: ‬بل‭ ‬أعفو،‭ ‬فقال‭ ‬النبي‭ (‬ص‭): ‬اللّهمّ‭ ‬اعف‭ ‬عن‭ ‬سوادة‭ ‬كما‭ ‬عفا‭ ‬عن‭ ‬نبيّك‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني