المقارنات مرآة مشوّهة لأنفسنا

| هلا الخباز

في‭ ‬الصف،‭ ‬جلست‭ ‬تحدّق‭ ‬في‭ ‬ورقتها‭ ‬وقد‭ ‬حصلت‭ ‬على‭ ‬‮٨‬‭ ‬من‭ ‬‮١٠‬،‭ ‬بينما‭ ‬صديقتها‭ ‬بجانبها‭ ‬رفعت‭ ‬ورقتها‭ ‬بفخر‭ ‬وقد‭ ‬نالت‭ ‬العلامة‭ ‬الكاملة‭. ‬لم‭ ‬ترَ‭ ‬إنجازها،‭ ‬بل‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬نجاحها‭ ‬ضئيل‭ ‬أمام‭ ‬نجاح‭ ‬غيرها‭. ‬كبرت‭ ‬وكبرت‭ ‬معها‭ ‬عادة‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬قبل‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬نفسها،‭ ‬فكلما‭ ‬تقدمت‭ ‬خطوة،‭ ‬التفتت‭ ‬لترى‭ ‬أين‭ ‬وصل‭ ‬غيرها،‭ ‬فتتضاءل‭ ‬ثقتها‭ ‬بما‭ ‬أنجزته‭ ‬وبنفسها‭.‬

مقدمتنا‭ ‬ليست‭ ‬عنها‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬كثيرين‭ ‬منا‭. ‬فالمقارنة‭ ‬تبدأ‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬طفولتنا،‭ ‬ثم‭ ‬ترافقنا‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬والعلاقات‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬هذه‭ ‬المقارنات‭ ‬تدفعنا‭ ‬للتطور‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬تهدم‭ ‬ثقتنا‭ ‬بأنفسنا‭ ‬ببطء؟

المقارنة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬وهم‭. ‬هي‭ ‬عدسة‭ ‬مشوّهة‭ ‬ننظر‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬لحياة‭ ‬الآخرين،‭ ‬نرى‭ ‬لحظة‭ ‬مضيئة‭ ‬من‭ ‬واقعهم‭ ‬ونضعها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ ‬واقعنا‭ ‬المليء‭ ‬بالظلال‭ ‬والتناقضات‭. ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الفيلسوف‭ ‬سقراط‭: ‬“اعرف‭ ‬نفسك،‭ ‬ولا‭ ‬تقارنها‭ ‬بغيرك؛‭ ‬ففي‭ ‬المقارنة‭ ‬تضيع‭ ‬الحقيقة‭.‬”

الحقيقة‭ ‬أننا‭ ‬عندما‭ ‬نغرق‭ ‬في‭ ‬المقارنة،‭ ‬نصبح‭ ‬سجناء‭ ‬توقعات‭ ‬الآخرين‭ ‬وصورهم،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أحرارًا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬قصتنا‭ ‬الخاصة‭. ‬نحن‭ ‬ننسى‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬معارك‭ ‬وجروحا‭ ‬خفية‭ ‬لا‭ ‬تُعرض‭ ‬على‭ ‬العلن‭.‬

“المقارنة‭ ‬تسرق‭ ‬الفرح”‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬ثيودور‭ ‬روزفلت،‭ ‬لأنها‭ ‬تجعلنا‭ ‬نرى‭ ‬ما‭ ‬ينقصنا‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬ما‭ ‬لدينا‭.‬

فمنذ‭ ‬طفولتنا‭ ‬نقارن‭ ‬بلا‭ ‬وعي‭: ‬درجاتنا،‭ ‬ألعابنا،‭ ‬لباسنا،‭ ‬وحتى‭ ‬طريقة‭ ‬جلوسنا‭ ‬أو‭ ‬ضحكنا‭. ‬يكبر‭ ‬الإنسان‭ ‬ويظن‭ ‬أنه‭ ‬تحرر،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تتحول‭ ‬المقارنة‭ ‬إلى‭ ‬هاجس‭ ‬يومي‭. ‬كل‭ ‬صورة،‭ ‬كل‭ ‬نجاح‭ ‬معلن،‭ ‬كل‭ ‬إنجاز‭ ‬يُشعرنا‭ ‬أن‭ ‬حياتنا‭ ‬أقل‭ ‬اكتمالًا‭.

فمنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مليئة‭ ‬بالصور‭ ‬التي‭ ‬تُظهر‭ ‬لحظات‭ ‬منتقاة‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين،‭ ‬إذ‭ ‬إننا‭ ‬نرى‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬لدى‭ ‬الآخرين‭ ‬مقابل‭ ‬تفاصيلنا‭ ‬اليومية‭ ‬العادية‭. ‬فنركز‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين‭ ‬وإنجازاتهم‭ ‬ونغمض‭ ‬أعيننا‭ ‬عن‭ ‬ظروفهم‭ ‬ووعورة‭ ‬طريقهم،‭ ‬ونغفل‭ ‬النظر‭ ‬لما‭ ‬يواجهونه‭ ‬خلف‭ ‬العدسة،‭ ‬فنقع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬“الصورة‭ ‬الكاملة”‭ ‬ونحكم‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭ ‬بالنقصان‭.‬

تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كثرة‭ ‬تصفح‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬المقارنة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يضعف‭ ‬ثقتنا‭ ‬بأنفسنا‭. ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يقارنون‭ ‬أنفسهم‭ ‬بكثرة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬يشعرون‭ ‬برضا‭ ‬أقل‭ ‬عن‭ ‬حياتهم،‭ ‬خصوصًا‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجمال،‭ ‬والنجاح،‭ ‬والعلاقات‭.‬

والحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬حين‭ ‬نرضى‭ ‬بما‭ ‬لدينا،‭ ‬نفتح‭ ‬أبواب‭ ‬الامتنان‭. ‬ننظر‭ ‬لما‭ ‬لدينا‭ ‬بعيون‭ ‬مختلفة،‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬تفاصيلنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬جمالًا‭ ‬يليق‭ ‬بنا،‭ ‬ونفهم‭ ‬أن‭ ‬قيمتنا‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بما‭ ‬نملك‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬نظهره،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬نصنعه‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭ ‬من‭ ‬سلام‭ ‬وطمأنينة‭.‬

“لا‭ ‬تقارن‭ ‬حياتك‭ ‬بغيرك‭.. ‬فأنت‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ماذا‭ ‬فقدوا‭ ‬مقابل‭ ‬ما‭ ‬كسبوا”‭ ‬هي‭ ‬المقولة‭ ‬التي‭ ‬يرددها‭ ‬الكثيرون‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬النصح‭ ‬والقناعة‭.‬

في‭ ‬دراسة‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬Journal of Social and Clinical Psychology‭ (‬2018‭)  ‬وُجد‭ ‬أن‭ ‬تقليل‭ ‬استخدام‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬مشاعر‭ ‬الغيرة‭ ‬ويحسن‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭.‬

حيث‭ ‬يفسر‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬بما‭ ‬يُسمى‭ ‬“النظرية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للمقارنة”‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬ليون‭ ‬فستنغر‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬حيث‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬مدفوع‭ ‬بطبيعته‭ ‬إلى‭ ‬مقارنة‭ ‬نفسه‭ ‬بالآخرين‭ ‬لفهم‭ ‬مكانته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وتقدير‭ ‬قيمته‭.‬‭ ‬المقارنة‭ ‬إذا‭ ‬غريزة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬فخ‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬أو‭ ‬مستمرة‭ ‬بلا‭ ‬توقف‭. ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬مونتين‭: ‬“كل‭ ‬إنسان‭ ‬يقيس‭ ‬نفسه‭ ‬بمسطرة‭ ‬غيره،‭ ‬فيظلم‭ ‬ذاته‭ ‬مرتين‭.‬”

المقارنة‭ ‬تعطل‭ ‬تطورنا‭ ‬وتجعلنا‭ ‬مترددين‭ ‬في‭ ‬خوض‭ ‬تجارب‭ ‬جديدة‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬الفشل‭ ‬أمام‭ ‬الآخرين،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬أي‭ ‬إخفاق‭ ‬صغير‭ ‬هزيمة‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬أعيننا‭.‬

المقارنة‭ ‬بالآخرين‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬للنمو‭ ‬إذا‭ ‬استخدمناها‭ ‬بحكمة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬مشوّهة‭ ‬تسلبنا‭ ‬الرضا‭. ‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬نسخًا‭ ‬مكررة،‭ ‬ولكل‭ ‬إنسان‭ ‬منا‭ ‬قصته،‭ ‬وظروفه،‭ ‬وإيقاعه‭ ‬الخاص‭. ‬والنجاح‭ ‬الحقيقي‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬أنفسنا‭ ‬بوضوح‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬عيون‭ ‬الآخرين‭.‬

المقارنة‭ ‬بالآخرين‭ ‬قد‭ ‬تمنحنا‭ ‬دافعًا‭ ‬إن‭ ‬تعاملنا‭ ‬معها‭ ‬بوعي،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مرآة‭ ‬مشوّهة‭ ‬تضعف‭ ‬ثقتنا‭ ‬بأنفسنا‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نعيش‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬واحد‭ ‬ولا‭ ‬نتقاسم‭ ‬نفس‭ ‬الظروف‭.‬

في‭ ‬النهاية،‭ ‬الحياة‭ ‬ليست‭ ‬سباقًا‭ ‬لنصل‭ ‬فيه‭ ‬قبل‭ ‬الآخرين،‭ ‬بل‭ ‬رحلة‭ ‬خاصة‭ ‬بكلٍ‭ ‬منا‭. ‬رحلتك‭ ‬لا‭ ‬تُشبه‭ ‬رحلتي،‭ ‬وما‭ ‬يبهج‭ ‬قلبك‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬لي‭ ‬شيئًا‭. ‬لذلك،‭ ‬دعنا‭ ‬نعيش‭ ‬تجاربنا‭ ‬كما‭ ‬هي،‭ ‬بلا‭ ‬مقارنة،‭ ‬وبكثير‭ ‬من‭ ‬الرضا‭. ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬نصبح‭ ‬أكثر‭ ‬قربًا‭ ‬من‭ ‬ذواتنا،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نحيا‭ ‬بسلام‭.‬

 

كاتبة‭ ‬ومستشارة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬وصناعة‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية