روح القانون

التعليم.. صدقة جارية تتجاوز الأجيال

| زهير توفيقي

يُعد‭ ‬التعليم‭ ‬الركيزة‭ ‬الأهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الحضارات،‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لاكتساب‭ ‬المعرفة‭ ‬والمهارات،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬لتشكيل‭ ‬العقول‭ ‬وصناعة‭ ‬الأجيال‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬الحاضر‭ ‬وصنع‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل،‭ ‬فالأمم‭ ‬التي‭ ‬استثمرت‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬وجودته‭ ‬فأصبحت‭ ‬في‭ ‬طليعة‭ ‬الدول‭ ‬تقدمًا،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬الشعوب‭ ‬التي‭ ‬أهملت‭ ‬التعليم‭ ‬رهينة‭ ‬التخلف‭ ‬والجمود‭. ‬وقد‭ ‬وصلني‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مقطع‭ ‬قصير،‭ ‬لكنه‭ ‬ترك‭ ‬أثرًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬نفسي،‭ ‬حيث‭ ‬يظهر‭ ‬فيه‭ ‬رجل‭ ‬أوروبي‭ ‬–‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬يزور‭ ‬مدرسة‭ ‬متواضعة‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬القرى‭ ‬النائية‭ ‬بكينيا،‭ ‬مدرسة‭ ‬بلا‭ ‬أبواب‭ ‬ولا‭ ‬نوافذ،‭ ‬لا‭ ‬أقلام‭ ‬ولا‭ ‬كتب،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬تسعد‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬فراغهم‭. ‬المكان‭ ‬يفتقر‭ ‬أبسط‭ ‬مقومات‭ ‬التعلم،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬حين‭ ‬سأل‭ ‬الرجل‭ ‬عن‭ ‬رسوم‭ ‬الدراسة‭ ‬ليكفل‭ ‬يتيما،‭ ‬أجابه‭ ‬المدير‭ ‬بثقة‭: ‬“التعليم‭ ‬هنا‭ ‬مجاني‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الصعوبات”‭. ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬المفاجأة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكتفِ‭ ‬الزائر‭ ‬بالمشاهدة‭ ‬أو‭ ‬بكلمات‭ ‬الإعجاب‭ ‬والمديح‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغني‭ ‬ولا‭ ‬تسمن‭ ‬من‭ ‬جوع،‭  ‬بل‭ ‬مدّ‭ ‬يد‭ ‬العون‭ ‬مباشرة،‭ ‬وتبرع‭ ‬بمليون‭ ‬شيلينج‭ ‬كيني،‭ ‬أي‭ ‬نحو‭ ‬7700‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬ليكون‭ ‬بذلك‭ ‬شعلة‭ ‬أمل‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الأطفال‭.‬

هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬البسيطة‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬لتأمل‭ ‬أوسع‭: ‬كم‭ ‬من‭ ‬أموالنا‭ ‬تُنفق‭ ‬على‭ ‬تكرار‭ ‬نفس‭ ‬أشكال‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬التقليدي‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬ولائم‭ ‬موسمية‭ ‬إلى‭ ‬حملات‭ ‬متفرقة‭ ‬–‭ ‬بينما‭ ‬يبقى‭ ‬التعليم،‭ ‬وهو‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لنهضة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬دائرة‭ ‬الاهتمام؟‭ ‬

التبرع‭ ‬لدعم‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬إحسان‭ ‬آني،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬طفل‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬يتعلم‭ ‬رغم‭ ‬الفقر،‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬غدًا‭ ‬طبيبًا‭ ‬أو‭ ‬مهندسًا‭ ‬أو‭ ‬معلمًا‭ ‬ينهض‭ ‬بمجتمعه‭ ‬بأكمله‭. ‬وأية‭ ‬صدقة‭ ‬أعظم‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تزرع‭ ‬العلم‭ ‬وتغير‭ ‬حياة‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة؟‭ ‬قال‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء،‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭: ‬“العلم‭ ‬يبني‭ ‬بيوتاً‭ ‬لا‭ ‬عماد‭ ‬لها‭... ‬والجهل‭ ‬يهدم‭ ‬بيت‭ ‬العزِّ‭ ‬والكرم‭.

لقد‭ ‬أثبت‭ ‬ذلك‭ ‬الزائر‭ ‬أن‭ ‬المبادرة‭ ‬الفردية،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬بسيطة،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬صنع‭ ‬فرق‭ ‬حقيقي‭. ‬فربما‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬تغيير‭ ‬العالم‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكننا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نُحدث‭ ‬فرقًا‭ ‬عميقًا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬شخص‭ ‬واحد،‭ ‬أو‭ ‬مدرسة‭ ‬صغيرة،‭ ‬أو‭ ‬مجتمع‭ ‬ناءٍ‭.. ‬وكل‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬تفتح‭ ‬آفاقًا‭ ‬أكبر‭ ‬للتغيير‭.‬

فلنُعِد‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬أولوياتنا‭ ‬الخيرية‭. ‬فدعم‭ ‬مشروع‭ ‬تعليمي‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬بعيدة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أحيانًا‭ ‬أعظم‭ ‬أثرًا‭ ‬من‭ ‬بناء‭ ‬صرح‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬مزدحمة،‭ ‬فالعلم‭ ‬هو‭ ‬الصدقة‭ ‬الجارية‭ ‬التي‭ ‬تبقى،‭ ‬وتثمر،‭ ‬وتكبر،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬نغادر‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭.‬

إن‭ ‬التعليم‭ ‬يفتح‭ ‬آفاق‭ ‬الفكر،‭ ‬ويُنمّي‭ ‬قيم‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار،‭ ‬ويُعزز‭ ‬الوعي‭ ‬بالحقوق‭ ‬والواجبات،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬مجتمع‭ ‬متماسك‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التطور،‭ ‬وهو‭ ‬أيضًا‭ ‬البوابة‭ ‬الأساسية‭ ‬للتنمية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬حيث‭ ‬يمدّ‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬بالكفاءات،‭ ‬ويشجع‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬الذي‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬المعيشة‭.‬

كما‭ ‬يلعب‭ ‬التعليم‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مثل‭ ‬التسامح‭ ‬والعدل‭ ‬والمواطنة‭ ‬الصالحة،‭ ‬ما‭ ‬يُسهم‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭. ‬فعندما‭ ‬يزداد‭ ‬وعي‭ ‬الأفراد‭ ‬وتُصقل‭ ‬مهاراتهم،‭ ‬يصبحون‭ ‬شركاء‭ ‬حقيقيين‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬وتطوير‭ ‬مؤسساتها‭.‬

فالتجارب‭ ‬العالمية‭ ‬تثبت‭ ‬ذلك؛‭ ‬فدول‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬لم‭ ‬تنهض‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬جعلت‭ ‬التعليم‭ ‬أولوية‭ ‬قصوى،‭ ‬فحققت‭ ‬قفزات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وحضارية‭ ‬هائلة‭ ‬رغم‭ ‬محدودية‭ ‬مواردها‭ ‬الطبيعية‭.‬

من‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬واجب‭ ‬الحكومات‭ ‬والمجتمعات‭ ‬معًا‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بتطوير‭ ‬المناهج‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬بدعم‭ ‬المعلمين‭ ‬وتأهيلهم،‭ ‬وتشجيع‭ ‬البحث‭ ‬والابتكار،‭ ‬وتحفيز‭ ‬الطلاب‭ ‬على‭ ‬التميز،‭ ‬لأن‭ ‬المستقبل‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬للأمم‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬سلاحها‭ ‬الأقوى‭.‬

قال‭ ‬تعالى‭ (‬قُلْ‭ ‬هَلْ‭ ‬يَسْتَوِي‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يَعْلَمُونَ‭ ‬وَالَّذِينَ‭ ‬لَا‭ ‬يَعْلَمُونَ‭ ‬إِنَّمَا‭ ‬يَتَذَكَّرُ‭ ‬أُوْلُوا‭ ‬الْأَلْبَابِ‭).‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني