ملامح “الروبوتاكسي” في سنغافورة

| عبدالله بوقس

في‭ ‬شوارع‭ ‬سنغافورة‭ ‬المضيئة،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬الزائر‭ ‬أمام‭ ‬الأبراج‭ ‬العالية‭ ‬أو‭ ‬المراكز‭ ‬التجارية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يندهش‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬مركبات‭ ‬تنساب‭ ‬بلا‭ ‬سائق‭ (‬الروبوتاكسي‭)‬،‭ ‬تُدار‭ ‬بأنظمة‭ ‬ذكية‭ ‬تراقب‭ ‬الطريق‭ ‬وتحلل‭ ‬حركة‭ ‬السير‭ ‬لحظة‭ ‬بلحظة‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬تجربة‭ ‬محدودة،‭ ‬بل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬سياسة‭ ‬وطنية‭ ‬متكاملة‭. ‬فسنغافورة،‭ ‬الدولة‭-‬المدينة‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬شيخوخة‭ ‬سكانية‭ ‬وضيقًا‭ ‬اقتصاديًا،‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬النقل‭ ‬الذاتي‭ ‬وسيلة‭ ‬لحماية‭ ‬مستقبلها‭. ‬الروبوتاكسي‭ ‬في‭ ‬سنغافورة‭ ‬ليس‭ ‬رفاهية،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬وجودية،‭ ‬وهو‭ ‬درس‭ ‬يتوجب‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬تتأمله‭ ‬بدقة‭.‬

المعطيات‭ ‬الديمغرافية‭ ‬تُظهر‭ ‬حجم‭ ‬المعضلة‭. ‬واحد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬خمسة‭ ‬سنغافوريين‭ ‬سيبلغ‭ ‬الخامسة‭ ‬والستين‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬مع‭ ‬توقع‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬24‭ %‬‭ ‬بحاول‭ ‬2030،‭ ‬حسب‭ ‬دائرة‭ ‬السكان‭. ‬أما‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬العمل‭ (‬15‭ ‬–‭ ‬64‭ ‬سنة‭) ‬لكل‭ ‬مسن‭ ‬فوق‭ ‬65‭ ‬عامًا،‭ ‬فقد‭ ‬هبط‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬5‭ ‬شخص‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬حسب‭ ‬دائرة‭ ‬الإحصاءات‭. ‬وفي‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬سكانه‭ ‬6‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة،‭ ‬يصبح‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬مسألة‭ ‬بقاء،‭ ‬لا‭ ‬خيارًا‭ ‬سياسيًا‭.‬

الأرقام‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الرهان‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليس‭ ‬عبثًا‭. ‬فقد‭ ‬قدّرت‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬سوق‭ ‬السيارات‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬سنغافورة‭ ‬سيبلغ‭ ‬799.4‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬أميركي‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬وسيرتفع‭ ‬إلى‭ ‬2‭.‬18‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بحلول‭ ‬2032،‭ ‬حسب‭ ‬تقرير‭ (‬كوهيرينت‭ ‬ماركيت‭). ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تترجم‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬وفرص‭ ‬عمل‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬البرمجيات،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية،‭ ‬والخدمات‭ ‬المساندة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يظل‭ ‬الجانب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬حاضرًا،‭ ‬فسائقو‭ ‬التاكسي‭ ‬يخشون‭ ‬فقدان‭ ‬أعمالهم،‭ ‬والمجتمع‭ ‬يتساءل‭ ‬عمّن‭ ‬تقع‭ ‬عليه‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والقانونية‭ ‬إذا‭ ‬تسببت‭ ‬المركبات‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬حادث‭.‬‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬سنغافورة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬صرامة‭ ‬تشريعاتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المخاوف‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬للابتكار‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬للخليج،‭ ‬فإن‭ ‬العبرة‭ ‬واضحة‭. ‬فدول‭ ‬مثل‭ ‬البحرين،‭ ‬ذات‭ ‬المساحة‭ ‬الصغيرة‭ ‬والكثافة‭ ‬السكانية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الروبوتاكسي‭ ‬لتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬النقل‭ ‬داخل‭ ‬المدن،‭ ‬وربط‭ ‬التجربة‭ ‬بمسار‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬الذي‭ ‬تتبناه‭ ‬في‭ ‬استراتيجياتها‭. ‬

أما‭ ‬الدول‭ ‬الأكبر‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات،‭ ‬فهي‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬النموذج‭ ‬السنغافوري‭ ‬بإنشاء‭ ‬صناعة‭ ‬إقليمية‭ ‬للنقل‭ ‬الذاتي‭ ‬ترتبط‭ ‬بالمدن‭ ‬الذكية‭ ‬مثل‭ ‬نيوم‭ ‬ودبي‭ ‬الذكية‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬النقل‭ ‬الذاتي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للحركة،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬لتسريع‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتعزيز‭ ‬تنافسية‭ ‬المنطقة‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬في‭ ‬سنغافورة‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬تجربة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬عابرة؛‭ ‬إنه‭ ‬إعلان‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تحويل‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬فرص،‭ ‬والشيخوخة‭ ‬إلى‭ ‬دافع‭ ‬للابتكار‭.‬‭ ‬وبالنسبة‭ ‬للخليج،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬المطروح‭ ‬ليس‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ستصل،‭ ‬بل‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬استثمارها‭ ‬بذكاء‭ ‬لتكون‭ ‬خادمة‭ ‬للمجتمع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬معًا‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬الروبوتاكسي‭ ‬رمزًا‭ ‬لمسار‭ ‬مزدوج‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬عجلات‭ ‬صامتة‭ ‬تتحرك‭ ‬على‭ ‬الطرق،‭ ‬وأفكار‭ ‬صاخبة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬صانع‭ ‬القرار‭ ‬الخليجي‭.‬

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور