مصر رافد أساس من روافد الثقافة والأدب العربي

| ندى نسيم

تتلمذت‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬البحرينيين‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬المعلمين‭ ‬المصريين‭ ‬ العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬نموذج‭ ‬حي‭ ‬للتآخي‭ ‬العربي‭ ‬الممتد‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ

تربط‭ ‬البحرين‭ ‬ومصر‭ ‬علاقة‭ ‬وطيدة‭ ‬لا‭ ‬تشكّلها‭ ‬فقط‭ ‬الارتباطات‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬القومية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لأنها‭ ‬تلامس‭ ‬الجذور‭ ‬الثقافية‭ ‬والأبعاد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬أثرًا‭ ‬وطابعًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬عبر‭ ‬السنين،‭ ‬مما‭ ‬كرّس‭ ‬محبة‭ ‬كبيرة‭ ‬وتقديرًا‭ ‬متبادلًا‭ ‬بين‭ ‬الشعبين‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬الأزمنة‭.‬

ففي‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي،‭ ‬تتجلّى‭ ‬مظاهر‭ ‬الإشادة‭ ‬بمملكة‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأشقاء‭ ‬المصريين‭ ‬لكونها‭ ‬بلدًا‭ ‬عربيًا‭ ‬أصيلًا‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬عمقًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬وحضاريًا‭ ‬وإسلاميًا‭ ‬ممتد‭ ‬الأثر‭ ‬عبر‭ ‬البلدان‭. ‬كما‭ ‬تُعد‭ ‬البحرين‭ ‬محطة‭ ‬تقدير‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬المصريين‭ ‬بفضل‭ ‬استضافتها‭ ‬للكوادر‭ ‬العلمية‭ ‬والأكاديمية‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التعليم‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬فقد‭ ‬تتلمذت‭ ‬أجيال‭ ‬من‭ ‬البحرينيين‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬المعلمين‭ ‬المصريين‭. ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المدارس‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬الجامعات‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ينظر‭ ‬البحرينيون‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬باعتبارها‭ ‬رافدًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬من‭ ‬روافد‭ ‬الثقافة‭ ‬والأدب‭ ‬العربي؛‭ ‬فكبار‭ ‬الكتّاب‭ ‬والمثقفين‭ ‬العرب‭ ‬تعود‭ ‬أصولهم‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬الطيبة‭. ‬لقد‭ ‬أسس‭ ‬المثقفون‭ ‬المصريون‭ ‬الفكر‭ ‬والوعي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬شتى،‭ ‬ولعل‭ ‬المجال‭ ‬الأدبي‭ ‬أحد‭ ‬الشواهد‭ ‬التي‭ ‬أفرزت‭ ‬الروائيين‭ ‬والشعراء‭ ‬والنقاد‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬بمثابة‭ ‬المنارة‭ ‬التي‭ ‬أضاءت‭ ‬مسيرة‭ ‬الأدباء‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬وقد‭ ‬ترك‭ ‬المبدعون‭ ‬إرثًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬الإبداعية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬الذي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الذوق‭ ‬العربي،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬النهضة‭ ‬الفكرية‭ ‬التي‭ ‬ساعدت‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬بنية‭ ‬التنوير‭ ‬والوعي‭ ‬الطموح‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬تأثير‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬ممتدًا‭ ‬ليشكّل‭ ‬جانبًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭.‬

أما‭ ‬البعد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فيقوم‭ ‬على‭ ‬مشاعر‭ ‬متبادلة،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬المصريون‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬بلد‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬حجمه،‭ ‬لكنه‭ ‬كبير‭ ‬بعطائه‭ ‬وتسامحه‭ ‬وانفتاحه‭ ‬وتطوره،‭ ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬محطة‭ ‬جاذبة‭ ‬للعمل‭ ‬والاستقرار‭ ‬عبر‭ ‬العقود‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬ارتبطت‭ ‬صورة‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬البحرينيين‭ ‬بجمال‭ ‬القاهرة،‭ ‬وحيوية‭ ‬أحيائها‭ ‬الشعبية،‭ ‬وأصوات‭ ‬موسيقاها،‭ ‬وطبيعة‭ ‬أهلها‭ ‬الودودة،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬وجهة‭ ‬محببة‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البحرينيين‭. ‬وقد‭ ‬تعزز‭ ‬هذا‭ ‬الترابط‭ ‬أكثر‭ ‬مع‭ ‬تطور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

إن‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬ومصر‭ ‬صورة‭ ‬إيجابية‭ ‬تتسم‭ ‬بالمحبة‭ ‬والاحترام،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬مشتركة،‭ ‬ومعتقدات‭ ‬دينية،‭ ‬وتبادل‭ ‬علمي،‭ ‬وتعاون‭ ‬مستمر،‭ ‬لتبقى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬نموذجًا‭ ‬حيًا‭ ‬للتآخي‭ ‬العربي‭ ‬الممتد‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

 

‬كاتبة‭ ‬وباحثة‭ ‬بحرينية