3.2 مليار دولار ترسخ شراكة اقتصادية واعدة بين مصر والبحرين

| ياسر سليم

تتجسد‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬العقارات‭ ‬والسياحة منتدى‭ ‬أعمال‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬يربط‭ ‬مجتمع‭ ‬الأعمال‭ ‬البحريني‭ ‬بنظيره‭ ‬المصري‭ ‬

 

في‭ ‬شوارع‭ ‬القاهرة‭ ‬الكبرى،‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تلاحظ‭ ‬بسهولة‭ ‬مبانٍ‭ ‬ضخمة‭ ‬أو‭ ‬متوسطة‭ ‬الحجم،‭ ‬مكتوب‭ ‬عليها‭: ‬“ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين”،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬تخص‭ ‬فلانًا‭ ‬الفلاني،‭ ‬البحريني‭ ‬المعروف‭. ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬تلك‭ ‬المباني‭ ‬بالضخامة‭ ‬التي‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬ترمز‭ ‬ـ‭ ‬بمكانها‭ ‬وسط‭ ‬المصريين‭ ‬ـ‭ ‬لمكانتها‭ ‬عندهم،‭ ‬حيث‭ ‬تجدها‭ ‬وسط‭ ‬مناطق‭ ‬مركزية‭ ‬أو‭ ‬عامة،‭ ‬راقية‭ ‬وشعبية‭.‬

وتتجسد‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬العقارات‭ ‬والسياحة،‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬مصرية‭ ‬بالحضور‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬البحريني،‭ ‬وتنويع‭ ‬آفاق‭ ‬التحرك‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المشترك‭. ‬وظلت‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬جمهورية‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭ ‬ومملكة‭ ‬البحرين‭ ‬نسيجًا‭ ‬نابضًا‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬والإبداع‭ ‬والتناغم‭. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬2025،‭ ‬تألق‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬بصورة‭ ‬لافتة،‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬نحو‭ ‬661‭.‬4‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬فيما‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬رسمية‭ ‬إلى‭ ‬طموح‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬مضاعفة‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬رقم‭ ‬يفرض‭ ‬نفسه‭ ‬كمعلم‭ ‬بارز‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬الشراكة،‭ ‬يأبى‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬الاعتيادي‭.‬

الاستثمارات‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬تمسّ‭ ‬مختلف‭ ‬أبعاد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصري،‭ ‬فتتراوح‭ ‬بين‭ ‬التمويل‭ ‬والصناعات‭ ‬والبناء‭ ‬والزراعة‭ ‬والسياحة‭ ‬والخدمات‭ ‬والاتصالات‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭. ‬وتُضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬مبادرات‭ ‬وطنية‭ ‬تعزز‭ ‬جاذبية‭ ‬السوق‭ ‬المصرية،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬حوافز‭ ‬قوية‭ ‬لروّاد‭ ‬الأعمال‭ ‬والمستثمرين‭ ‬من‭ ‬البحرين‭. ‬وقد‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬البحرينية‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬قيمة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬3‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬أوضح‭ ‬رئيس‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للاستثمار‭ ‬المصرية‭ (‬GAFI‭)‬،‭ ‬ما‭ ‬يؤكّد‭ ‬قوة‭ ‬التوجّه‭ ‬نحو‭ ‬توطيد‭ ‬الجذور‭ ‬المالية‭ ‬وجعل‭ ‬السوق‭ ‬المصرية‭ ‬محطة‭ ‬جاذبة‭ ‬للاستثمارات‭ ‬الخليجية‭.‬

أنجزت‭ ‬اللجنة‭ ‬الحكومية‭ ‬المصرية–البحرينية‭ ‬اجتماعها‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬بقيادة‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬خليفة‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ووزير‭ ‬المالية‭ ‬المصري‭ ‬أحمد‭ ‬كجوك‭. ‬نجم‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬تحوّل‭ ‬نوعي‭ ‬للعلاقات‭ ‬الثنائية،‭ ‬إذ‭ ‬وُصف‭ ‬الاجتماع‭ ‬بأنه‭ ‬“إيجابي‭ ‬وبنّاء”،‭ ‬ومهّد‭ ‬الطريق‭ ‬لتعاون‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭ ‬يعزز‭ ‬التنافسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المشتركة‭. ‬وعلى‭ ‬هامش‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬أعلنت‭ ‬البحرين‭ ‬عزمها‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬غير‭ ‬النفطي‭ ‬مع‭ ‬مصر‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬مع‭ ‬تركيز‭ ‬متنامٍ‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬والسياحة؛‭ ‬ما‭ ‬يُشكّل‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬تسعى‭ ‬لتعميق‭ ‬جذور‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتقوية‭ ‬بنيته‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬تم‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬تنظيم‭ ‬منتدى‭ ‬أعمال‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬يربط‭ ‬مجتمع‭ ‬الأعمال‭ ‬البحريني‭ ‬بنظيره‭ ‬المصري،‭ ‬ليكون‭ ‬جسرًا‭ ‬للتبادل‭ ‬التجاري‭ ‬والاستثماري،‭ ‬وأداة‭ ‬فاعلة‭ ‬لتفعيل‭ ‬إمكانات‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬مستقبل‭ ‬التجارة‭ ‬المشتركة‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬المبادرات‭ ‬البارزة‭: ‬العمل‭ ‬على‭ ‬توسيع‭ ‬الرحلات‭ ‬الجوية‭ ‬المباشرة،‭ ‬وربط‭ ‬القطاعين‭ ‬المالي‭ ‬والتكنولوجي‭ ‬عبر‭ ‬برامج‭ ‬التبادل‭ ‬الطلابي،‭ ‬وأيضًا‭ ‬إنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬جمركية‭ ‬مشتركة‭ ‬لتسهيل‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬وتخفيض‭ ‬الوقت‭ ‬والتكلفة‭. ‬كذلك،‭ ‬يجري‭ ‬تعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬الصناعي‭ ‬وتكييف‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬بنزعة‭ ‬الاستقلالية‭ ‬المحلية،‭ ‬ومأسسة‭ ‬تعاون‭ ‬استراتيجي‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المالية،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬الرؤى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يرتكز‭ ‬عليها‭ ‬الطرفان‭.‬

ينسجم‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬المصرية‭ ‬الواعدة‭ ‬“مصر‭ ‬2030”،‭ ‬الحاملة‭ ‬لبُعد‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬الثلاث‭: ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والبيئي‭. ‬كما‭ ‬يُعزز‭ ‬من‭ ‬الدفع‭ ‬بالإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬انطلقت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬وتوسّعت‭ ‬لتشمل‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي،‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإنفاق،‭ ‬وجذب‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العامة‭ ‬والخاصة،‭ ‬وانطلاق‭ ‬برامج‭ ‬التحوّل‭ ‬الأخضر‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الوصول‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭% ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬العامة‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬البيئي‭ ‬بحلول‭ ‬2025‭.‬

ختامًا،‭ ‬فالعلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬والبحرين‭ ‬اليوم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬سيمفونية‭ ‬متناغمة‭: ‬يربطها‭ ‬الهدف‭ ‬المشترك‭ ‬بتعزيز‭ ‬النمو‭ ‬والازدهار‭ ‬وتبادل‭ ‬الفرص‭. ‬من‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬تجارة‭ ‬رسمية،‭ ‬إلى‭ ‬مليارات‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬المتبادل،‭ ‬تتشكل‭ ‬ملامح‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية‭ ‬جريئة‭ ‬وواقعية‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬معًا‭. ‬وها‭ ‬نحن‭ ‬على‭ ‬أعتاب‭ ‬مرحلة‭ ‬تتصدر‭ ‬فيها‭ ‬الشراكة‭ ‬رغبة‭ ‬مشتركة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬اقتصاد‭ ‬متكامل،‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والترابط‭ ‬الإقليمي‭. ‬فانتظروا‭ ‬غدًا‭ ‬تتجدد‭ ‬فيه‭ ‬الحكاية‭: ‬حكاية‭ ‬“مصر‭ ‬والبحرين”،‭ ‬قاطرة‭ ‬التنمية،‭ ‬وشريكا‭ ‬المستقبل‭ ‬الواعد‭.‬

 

‬كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي