خريجو الجامعات المصرية يحملون تجربة معرفية تركت بصمة واضحة في مسيرتهم

| أحمد جعفر

القاهرة‭ ‬والمنامة‭ ‬تتحركان‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬استراتيجي‭ ‬واحد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي المرحلة‭ ‬المستقبلية‭ ‬تحمل‭ ‬عنوانًا‭ ‬بارزًا‭ ‬هو‭ ‬الاقتصاد

 

‭ ‬​حين‭ ‬نستعرض‭ ‬مسار‭ ‬العلاقات‭ ‬المصرية‭ ‬البحرينية،‭ ‬فإننا‭ ‬أمام‭ ‬جذور‭ ‬راسخة‭ ‬شكّلها‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬والمحبة‭ ‬بين‭ ‬شعبين‭ ‬شقيقين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1919،‭ ‬عندما‭ ‬أسس‭ ‬مصريون‭ ‬مدرسة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭.‬

​وفي‭ ‬عقود‭ ‬لاحقة،‭ ‬شهدت‭ ‬البحرين‭ ‬تفاعلًا‭ ‬رسميًّا‭ ‬وشعبيًّا‭ ‬واسعًا‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬القومية‭ ‬العربية،‭ ‬تمثل‭ ‬بالدعم‭ ‬المادي‭ ‬والمعنوي‭ ‬القوي‭ ‬للمجهود‭ ‬الحربي‭ ‬المصري؛‭ ‬حين‭ ‬عبَّر‭ ‬البحرينيون‭ ‬عن‭ ‬مواقفهم‭ ‬المشرفة‭ ‬المؤيدة‭ ‬للجيش‭ ‬المصري،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يؤكد‭ ‬عمق‭ ‬الروابط‭ ‬الوجدانية‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬السلم‭ ‬أو‭ ‬الحرب‭.‬

​وبعد‭ ‬أن‭ ‬نالت‭ ‬البحرين‭ ‬استقلالها‭ ‬عن‭ ‬بريطانيا‭ ‬عام‭ ‬1971،‭ ‬كانت‭ ‬جمهورية‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭ ‬الشقيقة‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬اعترفت‭ ‬بالبحرين،‭ ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬محفور‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الوطنية‭ ‬البحرينية،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬القاهرة‭ ‬تعتبر‭ ‬المنامة‭ ‬امتدادًا‭ ‬للقومية‭ ‬العربية‭ ‬الواحدة‭.‬

​وعلى‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬تميزت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المنامة‭ ‬والقاهرة‭ ‬بكونها‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬متبادلة‭ ‬ودعم‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬للآخر‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المحافل‭ ‬العربية‭ ‬والدولية،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬البحرين‭ ‬تقف‭ ‬بثبات‭ ‬مع‭ ‬قضايا‭ ‬مصر‭ ‬المصيرية،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬وقوف‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬مفصلية‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭.‬

​إن‭ ‬مصر‭ ‬دولة‭ ‬محورية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنها؛‭ ‬فهي‭ ‬قلب‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬النابض‭ ‬ومظلتها‭ ‬الجامعة،‭ ‬والدولة‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬عمل‭ ‬عربي‭ ‬مشترك‭ ‬وقف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬التحديات‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬التنسيق‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬الأشقاء‭.‬

​ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬أرسى‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬منذ‭ ‬توليه‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1999،‭ ‬حين‭ ‬تطورت‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬لتصل‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬عبد‭ ‬الفتاح‭ ‬السيسي‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬من‭ ‬التنسيق‭ ‬السياسي‭ ‬والتعاون‭ ‬الأمني‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬والرياضة‭.‬

​وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬العسكري،‭ ‬فإن‭ ‬القاهرة‭ ‬والمنامة‭ ‬تتحركان‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬استراتيجي‭ ‬واحد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬العربي‭ ‬ومواجهة‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية،‭ ‬والتصدي‭ ‬للإرهاب‭ ‬والفكر‭ ‬المتطرف‭. ‬ويتجسد‭ ‬ذلك‭ ‬بمشاركة‭ ‬القوات‭ ‬البحرينية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نظيرتها‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التمارين‭ ‬والمناورات‭ ‬المشتركة،‭ ‬مما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬هذا‭ ‬التعاون‭ ‬الدفاعي‭.‬

​كذلك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬ومصر‭ ‬دون‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬روابط‭ ‬الشعبين‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬عمقًا‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬الرسمية؛‭ ‬فالمصريون‭ ‬الذين‭ ‬عاشوا‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬ساهموا‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والثقافة،‭ ‬وأصبحوا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬البحريني‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬البحرينيين‭ ‬الذين‭ ‬درسوا‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬المصرية‭ -‬وأنا‭ ‬منهم‭- ‬حملوا‭ ‬معهم‭ ‬تجربة‭ ‬معرفية‭ ‬تركت‭ ‬بصمة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬وطنهم،‭ ‬مما‭ ‬بنى‭ ‬جسورًا‭ ‬إنسانية‭ ‬شكلت‭ ‬رافدًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬لتقوية‭ ‬الروابط‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬حسابات‭ ‬السياسة‭.‬

​واليوم،‭ ‬تأتي‭ ‬الزيارة‭ ‬التاريخية‭ ‬لصاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬الأمير‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء،‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬لتضع‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬جديد‭ ‬كليًّا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إبرام‭ ‬مذكرات‭ ‬التفاهم‭ ‬والاتفاقيات‭ ‬المشتركة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬عدة،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬أواصر‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬التاريخية‭ ‬ويزيدها‭ ‬رسوخًا‭.‬

​ويبدو‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬المستقبلية‭ ‬تحمل‭ ‬عنوانًا‭ ‬بارزًا‭ ‬هو‭ ‬الاقتصاد؛‭ ‬فالبحرين‭ ‬ترغب‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬مع‭ ‬مصر‭ ‬إلى‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ -‬بحسب‭ ‬تصريحات‭ ‬رسمية‭-‬،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬متانة‭ ‬العلاقات‭ ‬وصلابتها‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

​إن‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬عابر؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬انعكاس‭ ‬لإرادة‭ ‬سياسية‭ ‬واعية‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬البحرينية‭ ‬المصرية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬التنسيق‭ ‬السياسي‭ ‬إلى‭ ‬شراكات‭ ‬عملية‭ ‬ملموسة‭ ‬تشمل‭ ‬قطاعات‭ ‬اقتصادية‭ ‬مثل‭ ‬الصناعة‭ ‬والاستثمار‭ ‬والسياحة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬إدراك‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬بأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بات‭ ‬سلاحًا‭ ‬أساسيًّا‭ ‬لتقوية‭ ‬العلاقات‭ ‬الخارجية‭ ‬وبناء‭ ‬جسور‭ ‬متينة‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬والعالم،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬التنمية‭ ‬ويعود‭ ‬بالنفع‭ ‬على‭ ‬الداخل‭ ‬البحريني‭.‬

​إن‭ ‬المستقبل‭ ‬الذي‭ ‬يرسمه‭ ‬قادة‭ ‬البحرين‭ ‬ومصر‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬مستقبل‭ ‬يليق‭ ‬بتاريخ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الضاربة‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويتوج‭ ‬مسيرة‭ ‬تاريخية‭ ‬بدأت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1919‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬نموذجًا‭ ‬يُحتذى‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬العربي‭ ‬المشترك‭... ‬علاقة‭ ‬صلبة‭ ‬ثابتة‭ ‬لم‭ ‬تهتز‭ ‬بأي‭ ‬تحولات‭ ‬ولا‭ ‬تقلبات‭.‬

 

‬كاتب‭ ‬بحريني