محمد الماجد أول صحافي بحريني يلتحق بدورات المعهد القومي للصحفيين العرب بالقاهرة

| أسامة الماجد

تكريم‭ ‬المنامة‭ ‬لأمير‭ ‬الشعراء‭ ‬إيمان‭ ‬بحريني‭ ‬بالدور‭ ‬الريادي‭ ‬لمصر‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬الأدبية‭ ‬ إسماعيل‭ ‬ياسين‭ ‬ونجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬وغيرهما‭ ‬زاروا‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1969

 

من‭ ‬الصعب‭ ‬جدًا‭ ‬التحدث‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬الوطيدة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬وجمهورية‭ ‬مصر‭ ‬العربية‭ ‬الشقيقة؛‭ ‬فهي‭ ‬علاقة‭ ‬متميزة‭ ‬ومتفردة،‭ ‬تتجاوز‭ ‬الجوانب‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬لتتغلغل‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الوجدان‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭. ‬فالبحرين‭ ‬ومصر‭ ‬تربطهما‭ ‬علاقة‭ ‬راسخة‭ ‬ومتينة‭ ‬منذ‭ ‬القدم،‭ ‬وحينما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬العلاقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية،‭ ‬فهي‭ ‬حتمًا‭ ‬علاقة‭ ‬مميزة،‭ ‬لاسيما‭ ‬أن‭ ‬مصر‭ ‬تُعتبر‭ ‬منارة‭ ‬للثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي،‭ ‬والجميع‭ ‬نهل‭ ‬من‭ ‬علمها‭ ‬وثقافتها‭ ‬وفنونها‭.‬

وليس‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬الطويل،‭ ‬ولكننا‭ ‬سنستعرض‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬جوانب‭ ‬مضيئة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬الشقيقين‭.‬

تبدأ‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬المتجذرة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬لحظات‭ ‬ثقافية‭ ‬استثنائية،‭ ‬تجسدت‭ ‬فيها‭ ‬أسمى‭ ‬معاني‭ ‬التقدير‭ ‬والتبادل‭ ‬الفكري‭. ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬1927،‭ ‬أهدى‭ ‬النادي‭ ‬الأدبي‭ ‬بالبحرين‭ ‬وحاكمها‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬نخلة‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬تحمل‭ ‬رطبًا‭ ‬من‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬إلى‭ ‬الشاعر‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي‭ ‬بمناسبة‭ ‬تتويجه‭ ‬بلقب‭ ‬“أمير‭ ‬الشعراء”‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭. ‬

هذه‭ ‬اللفتة‭ ‬الرمزية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬هدية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬إيمان‭ ‬البحرين‭ ‬بالدور‭ ‬الريادي‭ ‬لمصر‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬الأدبية‭ ‬العربية،‭ ‬وتقديرًا‭ ‬لمكانة‭ ‬شعرائها‭ ‬الكبار‭.‬

لم‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬الأدبية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬الفنون‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭. ‬فقد‭ ‬حرص‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬المصريين‭ ‬على‭ ‬حضور‭ ‬البحرين‭ ‬لإحياء‭ ‬الحفلات‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الأعياد‭ ‬الوطنية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المناسبات‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬أوائل‭ ‬النجوم‭ ‬الذين‭ ‬زاروا‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬1969،‭ ‬كان‭ ‬الفنان‭ ‬إسماعيل‭ ‬ياسين‭ ‬الذي‭ ‬التقى‭ ‬الجماهير‭ ‬في‭ ‬أمسية‭ ‬فنية‭ ‬لا‭ ‬تُنسى،‭ ‬بمشاركة‭ ‬الفنانة‭ ‬الكبيرة‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬والفنان‭ ‬محمد‭ ‬عبدالمطلب،‭ ‬والمنولوجست‭ ‬الشهيرة‭ ‬ثريا‭ ‬حلمي‭.‬

هذه‭ ‬الأمسيات‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬جسور‭ ‬ثقافية‭ ‬تُقرّب‭ ‬الفن‭ ‬المصري‭ ‬الأصيل‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬البحريني،‭ ‬وتُعزز‭ ‬التفاعل‭ ‬الفني‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭.‬

كما‭ ‬قدمت‭ ‬فرقة‭ ‬تحية‭ ‬كاريوكا‭ ‬مسرحياتها‭ ‬الشهيرة‭ ‬لمدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام؛‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬للجمهور‭ ‬البحريني‭ ‬فرصة‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بالفن‭ ‬المسرحي‭ ‬المصري‭ ‬الراقي‭. ‬

وقد‭ ‬سجل‭ ‬الأديب‭ ‬الكبير‭ ‬والصحافي‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬الماجد‭ ‬لقاءً‭ ‬صحافيًا‭ ‬مع‭ ‬الفنانة‭ ‬سعاد‭ ‬حسين‭ ‬من‭ ‬فرقة‭ ‬نجيب‭ ‬الريحاني‭ ‬أثناء‭ ‬زيارتها‭ ‬البحرين‭ ‬مطلع‭ ‬السبعينات؛‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬عمق‭ ‬التبادل‭ ‬الفني‭ ‬والشخصي‭ ‬بين‭ ‬فناني‭ ‬البلدين‭.‬

ولم‭ ‬تقف‭ ‬العلاقات‭ ‬عند‭ ‬الحفلات‭ ‬الفنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬شملت‭ ‬أيضًا‭ ‬تبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الصحافي،‭ ‬ففي‭ ‬العام‭ ‬1968‭ ‬شارك‭ ‬الأديب‭ ‬والصحافي‭ ‬البحريني‭ ‬محمد‭ ‬الماجد‭ ‬ممثلًا‭ ‬عن‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬تدريبية‭ ‬للصحافيين‭ ‬العرب‭ ‬أوصى‭ ‬بها‭ ‬المؤتمر‭ ‬الثاني‭ ‬للصحفيين‭ ‬العرب‭ ‬الذي‭ ‬أُقيم‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬فبراير‭. ‬وقد‭ ‬جاءت‭ ‬هذه‭ ‬الدورة‭ ‬بعد‭ ‬قرار‭ ‬إنشاء‭ ‬معهد‭ ‬قومي‭ ‬للصحافيين‭ ‬العرب‭ ‬بالقاهرة‭.‬

وضمت‭ ‬الدورة‭ ‬40‭ ‬صحافيًا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬وكان‭ ‬الماجد‭ ‬أول‭ ‬صحافي‭ ‬بحريني‭ ‬يلتحق‭ ‬بهذه‭ ‬الدورة‭ ‬التي‭ ‬حاضر‭ ‬فيها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬ورموز‭ ‬الصحافة‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬منهم‭ ‬إحسان‭ ‬عبدالقدوس،‭ ‬وفكري‭ ‬أباظة،‭ ‬ومحمود‭ ‬أمين‭ ‬العالم،‭ ‬وبطرس‭ ‬غالي،‭ ‬وأمينة‭ ‬السعيد‭ ‬وغيرهم‭. ‬هذه‭ ‬المشاركة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬تدريب‭ ‬مهني،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬فرصة‭ ‬ثمينة‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬عمالقة‭ ‬الفكر‭ ‬والثقافة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وتبادل‭ ‬الرؤى‭ ‬والأفكار‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬الصحافة‭ ‬العربية‭.‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا،‭ ‬فقد‭ ‬درس‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬والأدباء‭ ‬البحرينيين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجامعات‭ ‬المصرية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الفنانون‭ ‬والرسامون‭ ‬والموسيقيون‭ ‬والمسرحيون‭. ‬فمصر‭ ‬كانت‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬قبلة‭ ‬للعلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬البحرينية‭ ‬نهلت‭ ‬من‭ ‬علومها‭ ‬ومعارفها،‭ ‬وعادت‭ ‬إلى‭ ‬وطنها‭ ‬لتحمل‭ ‬شعلة‭ ‬الثقافة‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬نهضته‭. ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬الطلابية‭ ‬خلقت‭ ‬روابط‭ ‬شخصية‭ ‬قوية‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬البلدين؛‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬علاقات‭ ‬المحبة‭ ‬والتقدير‭.‬

كما‭ ‬تم‭ ‬إصدار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬لمؤلفين‭ ‬بحرينيين‭ ‬عن‭ ‬مصر؛‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬تأثرهم‭ ‬بالثقافة‭ ‬المصرية‭ ‬وتوثيقهم‭ ‬لها‭. ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الكتب‭ ‬“البحرين‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬عبدالناصر”‭ ‬للباحث‭ ‬إبراهيم‭ ‬راشد‭ ‬الدوسري،‭ ‬وكتاب‭ ‬“البحرين‭ ‬وتكريم‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء”‭ ‬للكاتب‭ ‬والباحث‭ ‬الراحل‭ ‬صقر‭ ‬المعاودة،‭ ‬وكتاب‭ ‬“الإسكندرية‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬بحرينية”‭ ‬للدكتور‭ ‬عماد‭ ‬يوسف‭ ‬حمزة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الإصدارات‭ ‬التي‭ ‬تُعتبر‭ ‬شهادات‭ ‬حية‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬العلاقة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭.‬

ولو‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬الجانب‭ ‬المسرحي‭ ‬والدرامي،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬للفنان‭ ‬المصري‭ ‬حضور‭ ‬ليس‭ ‬بقليل‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬المسرحية‭ ‬والدرامية‭ ‬البحرينية‭. ‬فقد‭ ‬شارك‭ ‬الفنان‭ ‬رشوان‭ ‬توفيق‭ ‬ومديحة‭ ‬حمدي‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬“الأوفياء”‭ ‬بالعام‭ ‬1980،‭ ‬كما‭ ‬شارك‭ ‬الفنان‭ ‬المصري‭ ‬سليمان‭ ‬عيد‭ ‬والفنانة‭ ‬مها‭ ‬أبو‭ ‬عوف‭ ‬في‭ ‬مسلسل‭ ‬“البطران”‭ ‬بالعام‭ ‬2016،‭ ‬كما‭ ‬شارك‭ ‬الفنان‭ ‬علاء‭ ‬مرسي‭ ‬في‭ ‬مسرحية‭ ‬“الحيالة”‭ ‬التي‭ ‬عرضت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بالعام‭ ‬2017،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬التبادل‭ ‬الفني‭ ‬وأثرت‭ ‬الساحة‭ ‬الفنية‭ ‬البحرينية‭. ‬هذه‭ ‬المشاركات‭ ‬الفنية‭ ‬المشتركة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬تمثيل،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تجسيدًا‭ ‬للتعاون‭ ‬الفني‭ ‬المثمر،‭ ‬ودمجًا‭ ‬للمواهب‭ ‬والخبرات‭.‬

وتتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬الجانب‭ ‬الرسمي‭ ‬والمهني‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬علاقات‭ ‬شخصية‭ ‬حميمية،‭ ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬والفنانين‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬تربطهم‭ ‬علاقات‭ ‬وطيدة‭ ‬مع‭ ‬إخوانهم‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬والمحبة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العلاقات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬ومصر‭ ‬لها‭ ‬مقومات‭ ‬خاصة‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس‭.‬

في‭ ‬الختام،‭ ‬تُعد‭ ‬العلاقات‭ ‬البحرينية‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الثقافة‭ ‬والفنون‭ ‬تاريخًا‭ ‬من‭ ‬المحبة‭ ‬والإخاء،‭ ‬وعلاقة‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬جذور‭ ‬التاريخ‭. ‬لقد‭ ‬شكلت‭ ‬مصر‭ ‬منارة‭ ‬للعلم‭ ‬والثقافة‭ ‬والفن،‭ ‬واستفادت‭ ‬منها‭ ‬البحرين‭ ‬كثيرًا،‭ ‬ولكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬علاقة‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬واحد،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬دائمًا‭ ‬علاقة‭ ‬تبادل‭ ‬وتكامل،‭ ‬تُعزز‭ ‬الهوية‭ ‬العربية‭ ‬المشتركة،‭ ‬وتُثري‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬والفني‭ ‬في‭ ‬البلدين‭. ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬هي‭ ‬إرث‭ ‬نفيس،‭ ‬يجب‭ ‬المحافظة‭ ‬عليه‭ ‬وتطويره‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭.‬

 

 ‬كاتب‭ ‬بحريني