تأنيث أسماء الشوارع في البحرين.. تكريم للذاكرة وحفظ للتاريخ
| خالد عبدالله المرباطي
أسماء الشوارع ليست مجرد علامات مرورية أو عناوين لتسهيل الوصول، بل هي سجلّ حيّ يعكس ذاكرة المجتمع، وينقل رسائل ضمنية عن رموزه وقدواته للأجيال القادمة. وفي البحرين، كما في كثير من الدول العربية، تكاد أسماء النساء تغيب عن الفضاء العام مقارنةً بأسماء الرجال. ولا تتوافر لدينا حتى اليوم إحصائية دقيقة توضّح عدد الشوارع المسماة بأسماء نساء مقابل تلك التي تحمل أسماء رجال، لكن الملاحظة العامة تؤكد أن الكفة تميل بشدة لصالح الذكور، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: أين نصيب المرأة البحرينية من هذا التكريم الرمزي؟ المرأة البحرينية… شريكة في صناعة النهضة لقد لعبت المرأة البحرينية دورًا محوريًا في مختلف مجالات الحياة: التعليم، الأدب، السياسة، الطب، والنشاط الاجتماعي. ومن الإنصاف أن تنعكس هذه المساهمات في فضاءاتنا العامة، فتُخلّد أسماؤهن على الشوارع والميادين، ليبقى أثرهن حاضرًا في الذاكرة الجمعية، ويُشكّل قدوة ملهمة للأجيال القادمة. ومن الأسماء البحرينية البارزة التي تستحق أن تُكرَّم في أسماء الشوارع على سبيل المثال: • مريم الزياني: أول معلمة تقوم بتدريس البنات في مملكة البحرين وفي الخليج. • فوزية زينل: أول امرأة تترأس مجلس النواب في تاريخ البحرين، في إنجاز يعكس ثقة المجتمع في قدرات المرأة. ومن النساء المسلمات والصحابيات اللواتي خلد التاريخ أسماءهن: • خديجة بنت خويلد رضي الله عنها: سيدة قريش، وأول من آمنت برسالة النبي، ورمز للعطاء والثبات. • فاطمة الزهراء رضي الله عنها: ابنة الرسول، وأحد أنقى الرموز النسائية في التاريخ الإسلامي. • خولة بنت الأزور: الفارسة المجاهدة، التي عُرفت بشجاعتها في ساحات القتال. • نسيبة بنت كعب (أم عمارة): الصحابية التي شاركت في معركة أُحد دفاعًا عن النبي . هذه النماذج، سواء البحرينيات أو الصحابيات، جديرة بأن تبقى أسماؤهن حيّة في وجدان الناس عبر الشوارع والميادين، لتكون قدوة للأجيال. هذه الأسماء وغيرها كثير تستحق أن تُخلّد عبر شوارعنا ومياديننا، تمامًا كما خلدت أعمالها في ذاكرة البحرينيين. مقترحات عملية للبلديات والجهات الرسمية 1. تشكيل لجنة وطنية تضم مؤرخين وممثلين عن المجلس الأعلى للمرأة ووزارة شؤون البلديات، لتحديد قائمة من الأسماء النسائية البحرينية والإسلامية التي تستحق التكريم. 2. وضع معايير واضحة لاختيار الأسماء، بحيث تُخلّد الشخصيات التي قدمت إسهامات واضحة في الدين، أو الثقافة، أو خدمة الوطن والمجتمع. 3. توزيع الأسماء على المحافظات بحيث لا تكون حكرًا على منطقة واحدة، بل تغطي مختلف أنحاء البحرين. 4. اعتماد الشوارع الجديدة في المدن والمجمعات السكنية كفرصة لتأنيث الأسماء منذ البداية.
التكنولوجيا في خدمة التاريخ
ولعل من أبرز الأفكار الحديثة التي يمكن أن تُعزز هذا التوجه، وضع رموز الاستجابة السريعة (QR Codes) على لوحات الشوارع التي تحمل أسماء نساء بارزات. وبمجرد مسح الرمز عبر الهاتف، يستطيع المارّ أن يقرأ سيرة هذه المرأة بالعربية والإنجليزية، وربما بلغات أخرى. فمثلًا، حين يمر الزائر بشارع باسم بهية الجشي، يكفيه مسح الرمز ليقرأ عن مسيرتها الدبلوماسية الرائدة، أو حين يمر بشارع باسم فاطمة الزياني أول ممرضة بحرينية مؤهلة تخرجت من كلية التمريض، إن ذلك سيحوّل الشارع إلى كتاب مفتوح، ويجعل الفضاء العام متحفًا حيًا للتاريخ البحريني.
الرسالة للأجيال القادمة
إن تأنيث أسماء الشوارع ليس مجرّد إجراء شكلي، بل هو فعل رمزي عميق يكرّس المساواة ويعيد الاعتبار لتاريخ النساء البحرينيات اللواتي ساهمن في النهضة الوطنية. إنه تكريم للذاكرة، ورسالة للأجيال القادمة بأن المرأة ليست فقط جزءً من المجتمع، بل شريك أساسي في صناعته وتقدمه.
وخلاصة القول إن تخصيص شوارع تحمل أسماء رائدات بحرينيات، مقرونًا بوسائل تكنولوجية حديثة تتيح التعرّف على سيرتهن، سيجعل من مدن البحرين فضاءً أكثر عدلًا وذاكرةً أكثر إنصافًا. إنها خطوة صغيرة في الشكل، لكنها كبيرة في المعنى والتأثير.