خربشة ومغزى | البخور والحرير.. طريقان تجاريان.. الصين والجزيرة العربية حاضنان

| احمد عبدالله الحسين

البخور والحرير، طريقان تجاريان، الصين والجزيرة العربية لهما حاضنان. هكذا يتحدث معنا التاريخ القديم، حيث لهما شهرة وربط عابر البلدان، تشعَّبت مع الزمان، حملا معهما بضائع وسلع، وثقافة قاربت بين البشر. علّ حاضر يدور ويحور في مرتسم يربط الصين الحديثة ومأمول خطوط برية وبحرية مع ما هو مكنون في شموخ الجزيرة العربية، وريادة المملكة العربية السعودية، التي بذرت ترابطات اقتصادية وخطوط بينية تمخر بحار وتطوي براري اِرتصفت في رؤية 2030، ومنها طريق الشمال الدولي، وكذلك سكة حديد مجلس التعاون لدول الخليج العربي.

قيل الحاضر أعمى ما لم يُعرف الماضي، ونقول اِستشراف المستقبل إليه المُرتمى، والصين وتجار العرب تلاقوا بالماضي وهم في مسعى يتناغم في الحاضر، وذلك فيما يُعرف طريق الحرير الجديد"الحزام والطريق". مبادرة صينية تمثل إحياء طريق الحرير القديم ويهدف إلى ربط الصين بالعالم، عبر أستثمار ضخم في بُنى تحتية تُعدّ أكبر مشروع بتاريخ البشرية، فيه بناء مرافئ وطرقات وسكك حديدية ومناطق صناعية.

ماضي دروب قديم كانت قوافل سفن الصحراء(الإبل) تحمل راتنجات اللبان والمر تشكلت من قطر دموع أشجار تكثر في جنوب الجزيرة العربية، ومعها توابل وأحجار كريمة من الهند وجنوب شرق آسيا وحرير الصين، تبادل تجاري آسيوي عربي شهدته موانئ قبل وصول الرومان خلال قرن أول ميلادي. الحرير والبخور مسارات معروفة تحوم وتلتف في بعضها طرق جزيرة العرب في رمال صحراء ربع خالي، شهور مُكثُها عابرة سواحل وبطون يابسة ومحطات مدن. حكاية زمن تناثر منها أثار ناطقة بعضها في بلاد الحرمين.

مسار البخور يتحدث التاريخ فيه؛ أنه أحد أقدم طرق تجارية في العالم، طوله 2000 كم. ومبتداه قبيل 4000 عام، له محاذاة توازي ساحل البحر الأحمر الغربي، والأنباط من الذين أستخدموه وعمَّروا خلاله حاضرة الهجر من حجر رملي أِدرجت آثارها في اليونسكو، وتُحسب ثاني عاصمة لهم بعد بتراء الأردن. الرومان القدماء سموا جنوب الجزيرة العربية القرن الأول ميلادي فليكس أي الجزيرة العربية السعيدة لكثرة موارد طرقها التجارية. حينها الرومان كانوا يفتقرون معرفة وافية جغرافية الصحراء، فاتجهوا عبر طريق تجاري بحري يشمل البحر الأحمر والخليج العربي وكذلك المتوسط بُغية السيطرة عليه. ولكن خط الحرير البحري يعمل قبل أن يبدأ الرومان بالإبحار تجاريا. والحرير تمخر قواربه البحر محملة الهيل والقرفة والزنجبيل والفلفل والكركم والتوابل ترسو في موانئ حول شبه الجزيرة. ومن تلك الموانئ جدة، حيث تتفرع بعدها مسالك برية تتصل بطريق قادم من الصين ومندفع إلى أوروبا وتمر بعض دروب الجزيرة العربية.

درب البخور برز منه عدة مسالك من أهمها؛ مسار العلا ويبدأ من ميناء عدن وقنا في اليمن متجه لنجران والطائف، بعدها مكة ويثرب وخيبر والعلا ومدائن صالح، ومنه فرع لتيماء يذهب بعدها إلى العراق، وطريق آخر يتجه شمالا إلى البتراء وغزة تاليا إلى أجزاء أخرى في بلاد الشام وبلاد النيل. وهناك طريق قرية الفاو مبتداه ميناء مأرب في اليمن ثم يذهب إلى نجران، بعدها شمال شرق وادي الدواسر عابر  الفاو عاصمة مملكة كندة ثم الأفلاج واليمامة متجها إلى يبرين جنوب غرب الهفوف ليصل مدينة جرها ساحل الخليج العربي.

أما مسار القصيم يخرج من جرها نحو الهفوف، بعدها إلى شمال ارض اليمامة في نجد ثم إلى الشمال الغربي موازيا جبال طويق ومتجه غربا إلى إقليم القصيم، يمر كذلك حائل وتيماء وإلى البتراء باتجاه الشام. مسار نجد يبدأ من حضرموت بمحاذاة ساحل بحر العرب والمحيط الهندي، ثم الخليج متجها شمالا مارا بمحاذاة الحدود الشرقية لهضبة نجد ثم يتجه منها إلى الشمال في اتجاه العراق ثم الشام. مسار الربع الخالي مبتداه حضرموت ومنطقة عمان، بعدها إقليم اليمامة مارا عبر الطرف الشرقي من الربع الخالي سالكا نحو الشمال إلى العراق والشام. هذه الدروب كان لها أثر في نشأة وإحياء مدن وأسواق تجارية، وتبادل معرفي حضنه مثلا سوق عكاظ ومدينة دومة الجندل.

أما قصة طريق الحرير الذي عرفته البشرية منذ عصور ما قبل الميلاد والذي أخذ أسمه من بضاعة الحرير الصيني التي عرفها الصينيون الألف الثالثة قبل الميلاد، فقد ارتبط بشعب الهان ممن يشكلون الأغلبية الصينية، وهذا الطريق يبدأ من شمال غرب الصين من إقليم شينجيانغ ذو الأغلبية المسلمة من أقلية الإيغور حاليا. وطريق الحرير تم ذكره زمن الامبرطور هان وودّ دي خلال 140-87ق.م حينما بعث قائد من حاشيته ويدعى تشانغ تشيان في مهمة رسمية دبلوماسية إلى قبيلة دايوه جي التي تقطن في غرب الصين لإقامة تحالف معها ضد قبيلة شينغونو، وهي من قبائل الهون التي تقطن في شمال الصين. قبائل الهون البدوية القوية عُرفت في التاريخ الصيني بتهديدها واعتدائها على امبراطورية هان ومصالحها، إلا أن هذه المهمة لم تتم، ولم تقبل قبيلة دايوه جي هذا الحلف مع الهان، ولكن القائد المبعوث تشانغ تشيان لعمل الحلف احرز نجاحا أخر، وهو تعرَّفه على صعوبات هذه الرحلة الشاقة وطرقها، إذ كان فيها محاذيا طول نهر ويخه واجتياز جبل تشينلين وعبور النهر الأصفر، حيث شق طريقه من وسط الصين في منطقة تشانغآن عاصمة أسرة هان إلى المناطق الغربية، وهذا هو بداية لتأسيس طريق الحرير الذائع الصيت. هذا الإستقصاء للطريق داخل الصين ومعرفة خارجها غربا الذي هو داخلا إلى آسيا الوسطى والغربية أُعتبر منطلقا بين أُمم الشرق والغرب ووصولا إلى مياه الخليج العربي. 

طريق الحرير يبدأ من الشرق العاصمة تشانغآن عصر أسرتي هان وتانغ، ويتجه غربا الى مدينة دونغ هوانغ، ثم يتشعب إلى فرعين؛  الطريق الجنوبي والطريق الشمالي. الطريق الشمالي يمر ما يعرف اليوم بمناطق تو لو نان وكوتشة وكاشغر، أما الطريق الجنوبي فيمر مناطق روا تشيان وخيتهان وشاتشة ثم يلتقي الفرعان في مدينة مالاي ويجتازان بحر الخزر (قزوين) وبغداد وصولا الى الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، ثم يتحولان إلى جميع مناطق الامبراطورية الرومانية وذلك بمسافة يبلغ طولها اكثر من سبعة آلاف كيلومتر.  درب الحرير شيَّد جسر تبادل ثقافي وتجاري بين الشرق والغرب في العصر القديم، وأنتقلت منتوجات صينية من حرير ومطرزات وفخار ومنتوجات فنون يدوية في أواسط آسيا وأوربا. وفي المقابل منتجات بلدان أُخرى من جوز وفول وجزر ونبيذ وفنون متعددة من موسيقى ورسم التي انتقلت إلى الصين. 

البوذية هي كذلك اجتازت طريق الحرير ودخلت الصين، وأحدثت تغيرات هائلة في ملامح الفلسفة والآداب والفنون الصينية. كما أن الاختراعات الأربعة الكبرى الصينية الورق والبارود والبوصلة والطباعة اِنتشرت إلى العالم العربي وأوربا بفضل طريق الحرير وجعلت حضارة البشرية تشهد تغييرا عميقا. 

التجار العرب تواصلوا مع التجار الصينيين مبكرا ولهم سبق على كثير من الأمم في ذلك، وهذا من خلال السفارات المتعددة سلكت طريق الحرير. وهذا مدّون أثناء العهد العباسي وبعده في كتابات رحالة ومؤرخين عن الصين مثلا؛ كتاب البلدان لليعقوبي، ومروج الذهب للمسعودي، ونزهة المشتاق في اختراق الآفاق للادريسي، ورحلة السيرافي للهند والصين واليابان وإندونيسية، وكتاب رحلة ابن بطوطة، وكتاب حسن المحاضرة لجلال الدين السيوطي، وتاريخ ابن الوردي، وكتاب محاضرة الأدباء راغب الأصفهاني، ومعجم البلدان لياقوت الحموي. هو تراث يحتوي على خزين معرفي وإخباري عن الشركاء التجاريين البعيدين كالهند والصين والأرخبيل الإندونيسي. وقد عزز ذلك عمل جغرافيين عرب متمركزين في بغداد ومدن عربية أخرى. تلك مصادر وافرة عن بلدان ومنها الصين، وكذلك دليل انفتاح وتثاقف مع الأخر، نقلت محتوى حضاري ميَّز العرب المسلمين تلك الأزمان. كانت قوافل الجِمَال والقوارب وسائل معتمدة تجارية في طريق الحرير والبخور، حيث تيسر تواصل في تنوع سلع وثقافة وفن وشعائر ومأكولات، والعرب المسلمين كغيرهم من مجاميع مع تجارتهم نقلوا تعاليم دينهم للتجار في الشرق الأقصى والغرب.