تايلند تدعو العالم: كن ضيفي

| عبدالله بوقس

الضيافة ليست كلمة عابرة في ثقافة الشعوب، بل أداة قادرة على تحويل المجتمع إلى اقتصادٍ نابض بالحياة. من هنا أطلقت تايلند مبادرتها “كن ضيفي”  Be My Guest لتقول للعالم: نحن لا نبيع صورًا سياحية تقليدية، بل نعيد صياغة التجربة لتكون أكثر عدلاً واستدامة.  تشير بيانات هيئة السياحة التايلاندية إلى أن قطاع السياحة يمثل أكثر من 12 % من الناتج المحلي، مع عائدات قاربت 33  مليار دولار في عام 2024، لكن الحملة الجديدة لعام 2025 لا تكتفي بزيادة الأرقام، بل تسعى لإعادة توزيعها عبر استراتيجيات تدمج الاقتصاد بالثقافة. تقوم الفكرة على إشراك مؤثرين تايلانديين وعالميين لعرض وجهات منتقاة بعناية. هذه الوجهات تشمل مناطق مثل (نان) بطابعها الريفي الهادئ، و (لوي–تشيانغ خان) بمناخها البارد وحياتها البسيطة، و(كرابي) و(ترانج) بسواحلها الطبيعية، وصولًا إلى (رايونغ–تشانثابوري) بأسواقها وبساتينها. الهدف ليس التسويق للمدن الكبرى فحسب، بل دعم المناطق الأقل شهرة لتكون جزءًا من الخريطة الاقتصادية. ولتحقيق هذا التوازن، خصصت الحكومة التايلندية نحو 20  مليون دولار لتمويل رحلات جوية داخلية مجانية للزوار، بهدف جذب 200 ألف سائح إضافي إلى تلك الوجهات. هذا النموذج يفتح الباب أمام فرص عمل جديدة في الضيافة الريفية، ويحفّز الصناعات الصغيرة مثل الحرف اليدوية والمطابخ المحلية، ما يجعل السياحة محركًا للتنمية الاجتماعية، لا مجرد مصدر دخل سريع. هذه المقاربة تنسجم مع تحولات الطلب العالمي؛ إذ كشف استطلاع لموقع (بوكينغ) لعام 2024 أن 74 % من السياح يفضلون تجارب محلية أصيلة على المعالم التقليدية. وقد التقطت تايلاند هذا التوجه بتشجيع الزائر على خوض حياة المجتمع عن قرب، بحيث تصبح الرحلة تفاعلاً حقيقيا مع المجتمع المحلي لا مجرد زيارة عابرة. في دول الخليج، تبرز التجربة التايلندية كدليل عملي على أن السياحة الناجحة لا تُبنى بالمطارات والفنادق وحدها، بل بالقدرة على جعل الهوية المحلية جزءًا من الاقتصاد. وقد خطت المنطقة بالفعل خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، ويتجلى ذلك بوضوح في البحرين، التي أعادت الاعتبار لأسواقها التقليدية مثل سوق المنامة القديم، ودعمت الحرف اليدوية عبر برامج المجلس الأعلى للثقافة والفنون، وروّجت لمهرجانات تعكس الموروث الشعبي. غير أن هذه الجهود، رغم قيمتها، ما تزال متفرقة وتحتاج إلى تطوير شامل يحولها إلى منظومة اقتصادية متكاملة تدمج المأكولات الشعبية، والأسواق التراثية، وحياة القرى والجزر الصغيرة في نموذج مستدام. إن مبادرة “كن ضيفي” التايلاندية، وإن لم تكن التجربة الأمثل، فإنها تكشف عن فلسفة كامنة يمكن الاستفادة منها خليجيا:  توزيع العوائد بعدالة، بحيث لا تتركز في المدن الكبرى وحدها، بل تصل إلى المجتمعات الصغيرة والأطراف المنسية. إنها رؤية تجعل الضيافة مشروعًا وطنيًا يتجاوز حدود التسويق إلى بناء منظومة اقتصادية–اجتماعية متوازنة، حيث يصبح الضيف شريكًا، والمجتمع مستفيدًا، والاقتصاد رابحا. ‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور