الألم المتسامي... والظل المتوحش: قراءة في حدود نظرية فرانكل

| سيد ضياء الموسوي

بقيت لسنين أدرس علوم الأنثروبولوجيا لفهم الحياة “بثنائية اللذة والألم” كما هي المدرسة الأبيقورية والإنسان والنفس البشرية من خلال علماء نفسيين كبار، مثل فرويد وكارل يونك وأدلر وفيكتور فرانكل، مع فائض أسئلة وجودية عن قهر القدر، وغياب العدالة وندرة الحب وتشظ النفس البشرية عبر فلاسفة وأدباء، روسو وفولتير وفيكتور هيجو وجان جنيه ونيتشه وفرانكل وكافكا إلخ، وسبب تمزق العلاقات البشرية كثوب ممزق بال؛ وذلك بتشريح النفس البشرية كما يطرح دوستويفيسكي، أو سيكولوجية الجماهير عند غوستاف لوبون، أو اللاوعي الجمعي عند كارل يونك إلخ، كذلك من خلال بحثي التاريخي الديني الاستقصائي، فوجدت نفسي أمام جبال من الاسئلة الوجودية، وغابات مظلمة ببعض الإنارات في النفس البشرية، وكل ذلك أمام عالم رأسمالي متوحش يقدس المال والسلطة والنفوذ على الرحمة والانسانية، وبين نظام شيوعي طوباوي يدعو لخبز الفقراء، واذا وصل للحكم أحرق الفقير في التنور كما هو تاريخ كل الدول الشيوعية التي نادت إلى البروليتاريا (Proletariat) الطبقة العاملة والاشتراكية إلخ، وبين هؤلاء نظرت بعين ناقدة للأنظمة الدينية شيعية أو سنية، من حكم إيران بطريركي كهنوتي بنظام لا يتواكب مع الحضارة، إلى نظام طالبان قروسطي، إلى حكم داعش المتوحش في الموصل، إلى حكم الإخوان الاستبدادي الديني لمصر وتونس، إلى حكم حزب الدعوة للعراق والحوثي لليمن، تخلف في تخلف.  فما هي أزمة الإنسان الوجودية؟ وأين تكمن سعادته؟ هل نرجسية الراسمالية المتطرفة تعطي سعادة لها وللناس؟  لا. الرأسمالية تعاني من مشاكل، منها ما سماه باومان “الحداثة السائلة”. راجع تحليل عالم الاجتماع زيجمونت باومان (Zygmunt Bauman) هو عالم اجتماع وفيلسوف بولندي بريطاني، وأحد أكثر المفكرين تأثيرًا في تحليل المجتمع الاستهلاكي الحديث.  أهم ما اشتهر به هو مفهومه عن “الحداثة السائلة” (Liquid Modernity). ماذا يقصد باومان بالحداثة السائلة؟ .  السيولة عند باومان تعني: غياب الثبات، انهيار اليقينيات، وتفكك البنى الصلبة (الدين، الأسرة، العمل المستقر، الهوية الوطنية).  إذا أين هي السعادة في كل ذلك؟ فهل حكم رجل ديني قروسطي أعيش بالتلاعب بقنابل الطائفية واحكام متخلفة سعيد أو شعبه سعيد؟ لا. هل كان الاتحاد السوفيتي سعيدا بشيوعية ستالين أو بحكم تشاوشيسكو الذي حكم سابقا رئيس جمهورية رومانيا الاشتراكية سعيدا أو كانت سعيدة، أو بلاروسيا اليوم بحكم شيوعي متكلس؟ لا. هل الدول التي تصنف أنها الأكثر سعادة مثل السويد والدانمارك وووو الخ حقا سعيدة؟ هل الياباني سعيد؟ الأمريكي؟  أنا أختلف مع كل التقارير. لأن السعادة ليس فقط وفرة اقتصاد وبنى تحتية وحكما ديمقراطيا رغم أهميته.  أنا أؤمن السعادة “بكِج كامل”، النظام الديمقراطي والعلماني يقربك من السعادة، يمنحك الحرية وحقوق الإنسان لكنه لا يغطي الاحتياج الروحي والمعنوي والسلام الداخلي والحب بلا شروط، والبهجة والتنوير كما هو سلم الوعي البشري عند ديفيد هاوكينز.  والبحث عن “المعني” الذي طرحه فيكتور فرانكل من أن وجود “معني “عظيم لدي الإنسان يستحق للعيش لأجله يجعل الإنسان سعيدا. وأنا اختلف مع فرانكل، هذا لا يكفي للسعادة. ففرانكل أشار إلى أهمية وجود غرفة مهمة من غرف قصر السعادة ونسي بقية الغرف.  وجود معنى سام للحياة تعيش لأجله مهم، لكنه لا يكفي. عندك معني كبير، مثلا تفتح جمعية خيرية عالمية لدعم مرضى شلل الاطفال معنى عظيم يستحق العمل لكن لا يكفي للسعادة. ففكتور فرانكل كتب كتابه بعد أن عذب في سجون النازية كما وانه فقد زوجته وابنه، وكان يرزح تحت التعذيب، فكان بين خيار الانتحار أو تحويل الوجع الى معني عظيم.  وكما يسميه فرويد “التسامي”. وفرويد طرح أن ذكاء عقل الانسان وكحيلة دفاعية للدماغ، فمجرد يقع الانسان بصدمة يستدعي العقل كل سيارات الاسعاف بداخله للتحايل ع الالم فيقوم بحيل دفاعية منها الانكار،او الضحك علي الوجع أو التسامي، وهو أن يحول الوجع لشي سام من قبيل يحول وجعه الي قصيدة أو لوحة فنية أو نوتة موسيقية أو تمثال رمزي الخ فكل هذه الفنون التي نراها عبارة عن جروح تسامت وتعالت وتحولت الي فنون. هكذا تتحول الجروح بالتسامي إلى فنون. ففرانكل أعطى جزء حلٍ لوجع الإنسان ولم يعط نظرية متكاملة.  ؟أعطي مثالا على ذلك، الموسيقار بيتهوفن عملاق الموسيقى كان أبوه يضربه وهو صغير على رأسه، فالتجأ إلى معنى عظيم، تحويل الألم إلى موسيقى، وسمفونيات، لكنه ظل يعاني من ذاكرة متألمة من أبيه، وتحول الأب إلى صورة وحش ياتيه، وهو في اليقظة كجلاد، وهو يعزف كبندقية مصوبة على رأسه، وهو في المنام ككابوس.  هذا الألم أوقع بيتهوفن، وهو يهرب من الجرح إلى السقوط في التعلق المرضي بالإدمان على المخدرات، وعلى الخمر إلى درجة النوم على الارصفة حيث يراه الناس ملقا عليها، ويأتي الاطفال يركلونه بارجلهم.  عندما تجد إنسانا مدمنا على شيء لابد أن تعرف أن خلف هذا الإدمان جرحا غائرا عميقا، فيظن علاجه بعشق امراة أو شهرة كبيرة أو تمثيل بطل ديني في مغامرة كارثية أو التباهي بالممتلكات. أي تعلق مرضي فاعلم أن وراءه جرحا عميقا. الإنسان السوي يحب لكن لا يدمن، يرغب لكن دون شره بشي. وكأساس للخلاص من الألم دعا بوذا إلى نظرية عدم التعلق بالأفراد والأشياء كحل للوجع البشري، ودعي أبيقور للاعتدال بين اللذة والألم.  ودعي فرانكل إلى البحث عن معنى، اما سبينوزا فقال: إن الحرية هي فهم الضرورة، ونبّه فروم إلى “الهروب من الحرية” حين يعجز الفرد عن حمل مسؤولية ذاته، وأعاد كامو السؤال إلى نقطة الصفر: في عالمٍ عبثيّ، هل ننحازُ للانتحار أم نصنع معنى ونمضي، لذلك أدرِج إطارَ كامو (العبث والتمرّد)، وفروم (الهروب من الحرية)، وسبينوزا (الفرح كاتساع القدرة على الفعل) كدعاماتٍ معرفية للسعادة.  اقول: فرانكل لم يعطنا النظرية المكتملة للسعادة فبيت هوفن وجد في الموسيقي معني سام لكن هذا لا يكفي، لأن هناك معارك كبرى يجب حلها لذى الانسان منها: صدمات عاطفية معقدة وتسمى متلازم الصدمة المعقدة، وهي تختلف عن اضطراب ما بعد الصدمة وهذه تعتبر نسبيا خفيفة أمام الصدمة المعقدة المتوحشة، فالمتلازمة تكون متكررة، ولوقت طويل كاعتداء شخص على طفلة لسنين، ومن الصدمة تبقى اسيرة صمت. فيكتور فرانكل لم يقنعني أن وجود معنى سام للحياة يعطي سعادة فماذا عن بقية تحديات الحياة؟ مثلا شخص مصاب باضطراب الشخصية الحدية “ Borderline “ أو شخص مصاب بالنرجسية المتطرفة أو انفصام أو وسواس قهري الخ هل وجوده وتشبثه بمعنى سامي في الحياة يخرجه من المه، ويكون الحل الأكبر؟ لا ابدا.  عالم النفس كارل يونك تلميذ فرويد، واجده في قوة فرويد في بعض الافكار، بل زاد قوة عليه في بعض علاجات النفس البشرية، يونك طرح موضوع” الظل”.  وانا اعبر عنه هو اشبه بصرف صحي ”بلاعة” موجوده جهة القلب قد تتسرب على القلب بين فترة وفترة، والظل هو المكان الذي يتجمع فيه كل شي من شخصيتك الحقيقية الذي تخاف يعرفه الناس وتقوم باخفائه من صفات أو سلوكيات أو جروح صدمات أو أمراض.  لابد كل واحد يبحث عن غير المعترف به في اللاوعي. هذا المخفي قد يطفح وقت الغضب، وقت الألم، ووقت الغضب على السطح .  الامام علي (ع) أول من طرح عن اللاوعي قبل فرويد وفرانكل في قوله بنهج البلاغة: “ما يكتمه الإنسان في قلبه يظهر على فلتات لسانه وصفحات وجهه”.  أقول هل كونك تجد المعني السامي للحياة يكفي؟، لابد مع المعنى تقوم بعملية التطهير والتنظيف للاوعي كما عند فرويد، وللظل كما عند كارل يونك.  كارل يونك زاد على فرويد من اللاوعي الشخصي الي اللاوعي الجمعي. اللاوعي الجمعي يعني مجموعة بشرية مبرمجة ومخدرة و ملعوب في الستينك “setting “والاعدادات مالها من الصغر، وشبت على خرافات أو بطولات وهمية أو قيم استبعادية، وعادات قاتلة او اعراف متخلفة.  وأغلب الأمم والشعوب تعاني منها، ولا تشعر بها لكثر ما برمجت عليها. هل هولاء على نظرية فرانكل حصولهم على معنى للحياة يكفي لسعادتهم؟ اختلف معه.  اذا كانت شعوب تعيش بذخا كما السويد والدانمارك واليابان الخ كثير مكتئبون ويكثر الانتحار عندهم فهل هم سعداء؟ الترف لا يكفي للسعادة فلابد من بقية (البكج) (package) أين الروح من المعادلة؟ كيف نحل موضوع الفراغ والخواء النفسي؟. ماذا عن ملل ما بعد الترف؟ كيفية حل موضوع نرجسية المترف او التعاسة المرفهة، الفقر العاطفي وامراض المال السيكولوجية، وعن حل اسئلة وجودية، من انا وماذا اريد كما هو تساؤل سقراط؟ ما هي علاقتي مع الله. القدر. الموت. الخ. لذلك نجد اكتئاب جماعي لدى أمم بسبب حروب أو فقر أو قهر قدر أو تطرف ديني. كما يقول هوكينز في سلم الوعي الانساني 80 في المئة من البشرية يعيشون في المنطقة الخطيرة تحت وعي200 من 1000 من سلم الوعي. فردي على فرانكل حتى التشبث بـ”المعنى” في الحروب لا يكفي لاسعاد البشرية.  كثيرا ما يذهب الناس للموت هروبا من وجع الواقع ليصبغوا حياتهم بمعنى رمزي كمحاولة اطفاء الالم الداخلي من فقر أو تهميش، وذلك بصناعة “خلود اسمائهم “ في التاريخ بعد الموت لتسكين وجع داخلي أو اكتئاب حاد وهذا ما فعله شباب ضائعون في اوربا يتسللون للاتحاق بداعش (...) حالة هروب جماعي من قسوة مادية غربية لمواجهة الم تمزق هوية ضائعة. وتراه يسترسل في القتل بسادية سيكوباثية حادة لعدة اسباب، هو يريد”شهادة” ليقول انا خالد، وانا وجدت معنى للضياع عندما كنت اعيش في دول الحضارة، وهو في الحقيقة هروب من خواء وازمة هوية بجغرافية اغتراب عن موطنه الاصلي، وجزء منها لحلم داخلي يضغط عليه للحصول على بطولة وهمية يكون هو ضحيتها.   هكذا هو ضياع الإنسان عندما لا يتصالح مع تفسه، ويفهم أمراضه ويعالجها، ويعرف بكج “كوكتيل الحياة “، ولا يفهم النفس البشرية، ومن هو وما ذا يريد سيصبح لصيق للاقنعة، وسيبقي اللاوعي والظل، ومخزن الأوجاع بداخله هو الذي يقوده على مسرح الحياة.  ختاما فيكتور فرانكل لم تكن نظريته كافيه. أمام هذا، أقول: المعنى شرطٌ لازم، لكنه غير كافٍ. فهناك صدماتٌ معقّدةٌ تَسكنُ الجسد والذاكرة اعتداءاتٌ مزمنة، عنفٌ عائليّ، إذلالٌ طويل لا تُشفى بالشعارات.  تحتاج علاجًا يواجه الجرح في مكانه: EMDR أو DBT أو علاجًا معرفيًا متمحورًا حول الصدمة، مع إعادة بناء داخلي لذاته متين وعلاقاتٍ آمنةٍ، وبُعدٍ روحيٍّ يُبقيه أوسع من ألمه.  “بكج السعادة” الذي أؤمن به:  1.التعلق بالله أولا وأخيرا. وبعدها معالجة الجراح: مواجهة الظلّ، تنظيف القبو النفسي، تفكيك تاريخ الألم بدل تجميله فقط.  2-. معنى سامٍ يُعاش يوميًا: ليس فكرةً مجردة، بل ممارسة تُجسّد قيمةً أكبر من الذات.  3. اتزانٌ روحيّ/‏أخلاقي: ليس تسليمًا أعمى، بل سكينةٌ نقديةٌ تُهذّب الرغبات وتُعيد ترتيب الأولويات.  4. توازن في الحياة.  و5- ثقافة إنسانية حضارية متنوعة، مع ضمير حي وجسد صحي واشباع ذاتي من الذات وعدم التعلق بالاشياء واكتفاء مادي وسلام روحي من الامراض النفسية كل هذه هي “بكج” كوكتيل الحياة التي تترسخ ضمن ايطار ثقافة الحياة والاستمتاع برئات التنفس الجمالية للكون والوجود.  عندها فقط لا يتحول “المعنى” إلى قناعٍ جديدٍ، ولا الروحانية إلى مخدّرٍ، ولا النجاح إلى مصعدٍ نحو خُيلاء فارغة. السعادة ليست نشيدًا يُرتّل، بل بناءٌ يوميّ تُسندُه حياة متوازنة، ونفسٌ مُعالجة، وروحٌ متصلة بمعنى أكبر، وعقلٌ يُراجع ظلّه دون وجل. وان تعيش الحياة بعد تطهير الجرح والرجوع للذات والتصالح معها وهذه نظرية الحياة علاقة مع الله وكوكتيل روحاني مع كوكتيل اقتصادي واجتماعي ونفسي ومكاني.