رفع أجور العاملات الفلبينيات.. قرار منطقي
| زهير توفيقي
أثار قرار الحكومة الفلبينية برفع الحد الأدنى لأجور العاملات المنزليات (الجدد) إلى 500 دولار نقاشاً واسعاً في البحرين، بين مؤيد ومعارض. لكن عند التمعن في خلفيات القرار وأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يبدو واضحاً أنه ليس استثناءً ولا استهدافاً، بل خطوة طبيعية ومنطقية في ظل ما يشهده العالم من تضخم وارتفاع في تكاليف المعيشة، وهو ما يجعل الدول مطالبة بمراجعة سياساتها لضمان حياة أفضل لمواطنيها، سواء داخل حدودها أو في الخارج. فالقرار الفلبيني لم يقتصر على البحرين، إنما شمل جميع دول العالم، انطلاقاً من مبدأ حماية حقوق المواطنين العاملين في الخارج، والسعي إلى تحسين ظروفهم المعيشية. من وجهة نظري هذا الأمر مشروع ومتوقع من أية حكومة تتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها. ومن زاوية اقتصادية، فإن التجربة العالمية تؤكد أن مثل هذه الخطوات ليست جديدة. ففي سويسرا، على سبيل المثال، ترتفع الأسعار في معظم السلع والخدمات بشكل دوري كل ستة أشهر تقريباً، غير أن الحكومة تعوّض مواطنيها بزيادة موازية في الرواتب، فلا يشعر الفرد بتأثير التضخم المباشر. وفي الهند، التي يشهد اقتصادها نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، أصبحت الأيدي العاملة أكثر انتقائية، ولم تعد الرواتب التقليدية تجذبها كما في السابق، ما يعكس واقعاً جديداً يفرض نفسه على سوق العمل الدولي. أما بالنسبة للمجتمعات المستقبلة للعمالة، فإن مثل هذه القرارات يمكن أن تكون جرس إنذار إيجابي، يدعو الأسر إلى إعادة التفكير في اعتمادها الكبير على العمالة المنزلية، وربما التوجه نحو نمط أكثر توازناً في إدارة شؤونها. كما قد يفتح المجال أمام مبادرات محلية لتطوير خدمات منزلية أو بدائل مهنية مرنة، ما يخلق فرص عمل جديدة داخل السوق المحلي.
ومن الزاوية السياسية، فإن بعض المواقف التي صدرت من قبل بعض النواب عقب القرار حملت صبغة شعبوية، حاولت استثمار القلق الاجتماعي لتسجيل مواقف إعلامية. غير أن مثل هذه المقاربات قد تبسط القضايا المعقدة، وتحصرها في إطار “نحن” مقابل “هم”، بينما هي في جوهرها انعكاس طبيعي لمسارات اقتصادية عالمية. وفي اعتقادي الشخصي فإن هذا الأمر لا يخص النواب ولا يجب خلط الأوراق! فالخطاب السياسي الرشيد لا يكتفي بإثارة المخاوف، بل يقدم حلولاً عملية وواقعية تساعد المجتمع على التكيف مع المتغيرات، بدل الانشغال بالاعتراضات غير المجدية. كما أن القرار الجديد سيطبق على الاستقدام الجديد للعاملات، فالعائلات البحرينية ليست ملزمة بالتعاقد مع العاملات الفلبينيات، كما أنه وبحسب معلوماتي، فإن كثيرات يفضلن الذهاب إلى دول أخرى غير الخليج بسبب العروض المغرية لهن. وفي ظل العولمة، لا يمكن تجاهل أن العمالة أصبحت جزءاً من شبكة اقتصادية مترابطة. فقرارات مثل التي اتخذتها الفلبين ليست مجرد شأن داخلي، إنما تعكس طبيعة التداخل الاقتصادي الدولي، حيث تتحرك أسواق العمل والأجور تبعاً للعرض والطلب العالميين. وهذا ما ينبغي أن يدفعنا إلى التفكير بجدية أكبر في استراتيجياتنا المستقبلية للتعامل مع هذه المتغيرات. إن الاعتراض على القرار من منظور محلي بحت قد يغفل عن هذه الحقائق المتشابكة. فاستقدام العمالة المنزلية ليس التزاماً حتمياً، بل خيار شخصي للأسر. وربما يشكل هذا القرار فرصة لإعادة النظر في مدى اعتمادنا الكبير على العمالة المنزلية، والبحث عن بدائل أكثر مرونة، سواء من خلال مشاركة الأعباء بين أفراد الأسرة أو اللجوء إلى خدمات مؤقتة تلبي الحاجة عند الضرورة. وفي المقابل، أرى أن السفارة الفلبينية في المملكة تطبق على أصحاب العمل قانون العمالة فيما يخص مكافأة نهاية الخدمة تماشيا مع قوانين وزارة العمل البحريني. فمن وجهة نظري الشخصية أن السفارة الفلبينية تقوم بعملها على أكمل وجه، بشكل متوافق مع القوانين المعتمدة محلياً، حيث إن القوانين تسن لحماية الطرفين. إن ما قامت به الحكومة الفلبينية ممارسة طبيعية لمسؤولياتها، تماماً كما تفعل الدول المتقدمة حين توازن بين ارتفاع الأسعار وزيادة الدخل. ولعل الدرس الأهم لنا هو أن ننظر إلى هذه التحولات بعيون أوسع، لا باعتبارها عبئاً مفروضاً، إنما كإشارة إلى ضرورة إعادة ترتيب أولوياتنا وإدارة حياتنا بطريقة أكثر توازناً. الخلاصة.. أنا لست في وضع لأدافع عن قرار الحكومة الفلبينية، فهو قرار سيادي بحت، ولكنني أرى الأمور من زاوية مختلفة تماما. والله من وراء القصد.
*كاتب وإعلامي بحريني