عام دراسي جديد.. وآفاق متجددة

| د. علي بن تميم

كما‭ ‬عودتنا‭ ‬الإمارات‭ ‬مع‭ ‬إشراقة‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬دراسي‭ ‬جديد،‭ ‬تتجدد‭ ‬الرسائل‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬بوصلة‭ ‬المستقبل،‭ ‬وجاءت‭ ‬كلمة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬زايد،‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة،‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬التعليم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لاكتساب‭ ‬المعرفة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬حضارية‭ ‬متكاملة،‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬هوية‭ ‬الإنسان‭ ‬الإماراتي،‭ ‬وتُصان‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬القيم،‭ ‬ويُرسَم‭ ‬عبرها‭ ‬الطريق‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل‭. ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬القصيرة‭ ‬في‭ ‬مبناها،‭ ‬العميقة‭ ‬في‭ ‬معناها،‭ ‬وضعت‭ ‬أمامنا‭ ‬ملامح‭ ‬نهج‭ ‬إماراتي‭ ‬راسخ‭ ‬في‭ ‬جذوره،‭ ‬ومنفتح‭ ‬بثقة‭ ‬على‭ ‬آفاق‭ ‬المستقبل،‭ ‬متمسكاً‭ ‬بلغته‭ ‬وقيمه،‭ ‬متسلحاً‭ ‬بالعلم‭ ‬والمعرفة،‭ ‬ومتيقناً‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الأجيال‭ ‬هو‭ ‬استئناف‭ ‬لبناء‭ ‬الوطن‭.‬

لقد‭ ‬توقف‭ ‬سموه‭ ‬عند‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬بوصفها‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬هوية‭ ‬المجتمع،‭ ‬وذاكرة‭ ‬الأمة،‭ ‬ووعاء‭ ‬القيم‭ ‬والأخلاق‭ ‬والسنع‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تأكيداً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬نهضوي‭ ‬لن‭ ‬يستقيم‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬للغة‭ ‬العربية‭ ‬فيه‭ ‬مكان‭ ‬الصدارة‭. ‬فالعربية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حروف‭ ‬نتداولها‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬والفصول‭ ‬الدراسية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الذاكرة‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬الماضي،‭ ‬والحاضر‭ ‬الذي‭ ‬نصوغه،‭ ‬والمستقبل‭ ‬الذي‭ ‬نطمح‭ ‬إليه‭. ‬إنها‭ ‬لغة‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تُربي‭ ‬الأجيال‭ ‬على‭ ‬الانتماء‭ ‬والاعتزاز‭ ‬بالجذور،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لغة‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار‭ ‬والتواصل‭ ‬مع‭ ‬العالم‭.‬

تأتي‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬ونحن‭ ‬لسنا‭ ‬ببعيدين‭ ‬عن‭ ‬القرار‭ ‬الذي‭ ‬اتخذته‭ ‬قريباً‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الإمارات‭ ‬بإلزام‭ ‬المدارس‭ ‬الخاصة‭ ‬بتدريس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬وزيادة‭ ‬عدد‭ ‬ساعات‭ ‬تعليم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬رياض‭ ‬الأطفال،‭ ‬مما‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬تجذر‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬الفكرية‭ ‬للقيادة‭ ‬الحكيمة،‭ ‬وكيف‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬نابع‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬تربوية‭ ‬متقدمة‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬رؤية‭ ‬ثقافية‭ ‬شاملة‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬البناء‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الطفولة،‭ ‬لأن‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬حضاري،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬أوسع‭ ‬داخل‭ ‬المناهج‭ ‬والبرامج‭ ‬الدراسية،‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬مادة‭ ‬تعليمية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عماد‭ ‬الهوية،‭ ‬وعنوان‭ ‬الشخصية‭ ‬الوطنية‭. ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬أجيال‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالجذور‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬العصر‭. ‬واليوم،‭ ‬تأتي‭ ‬كلمة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬النهضة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬متين‭ ‬من‭ ‬اللغة‭ ‬والثقافة‭.‬

ولم‭ ‬يقف‭ ‬سموه‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬اللغة،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬أبعد،‭ ‬حين‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬مؤكداً‭ ‬أن‭ ‬التقنية‭ ‬الحديثة‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أداة‭ ‬عظيمة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تُثمِر‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اقترنت‭ ‬بالوعي‭ ‬والأخلاق؛‭ ‬فالتعليم،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬ليس‭ ‬إعداداً‭ ‬للمعرفة‭ ‬المجردة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬إعداد‭ ‬لإنسان‭ ‬يتحلى‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬ويُحسن‭ ‬توظيف‭ ‬العلم‭ ‬لخدمة‭ ‬وطنه‭ ‬والإنسانية‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬عظمة‭ ‬الرؤية‭ ‬الإماراتية‭: ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والتمسك‭ ‬بالقيم،‭ ‬وبين‭ ‬استيعاب‭ ‬أدوات‭ ‬العصر‭ ‬واستحضار‭ ‬الأخلاق‭ ‬التي‭ ‬تصونها‭ ‬وتشوه‭ ‬أهدافها‭.‬

إننا‭ ‬اليوم،‭ ‬ونحن‭ ‬نستقبل‭ ‬عاماً‭ ‬دراسياً‭ ‬جديداً،‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نُعيد‭ ‬قراءة‭ ‬كلمة‭ ‬سموه‭ ‬بوصفها‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التربوية‭ ‬والأكاديمية،‭ ‬وللأُسَر،‭ ‬وللمجتمع‭ ‬ككل‭. ‬فهي‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التعليم‭ ‬مشروعاً‭ ‬أخلاقياً‭ ‬وإنسانياً‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬منهجياً‭ ‬أو‭ ‬تقنياً‭. ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نُربي‭ ‬أبناءنا‭ ‬على‭ ‬التعاون‭ ‬والانتماء،‭ ‬وأن‭ ‬نغرس‭ ‬فيهم‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالهوية‭ ‬واللغة،‭ ‬وأن‭ ‬نفتح‭ ‬أمامهم‭ ‬أبواب‭ ‬المستقبل‭ ‬بعقول‭ ‬منفتحة‭ ‬وقلوب‭ ‬متمسكة‭ ‬بالقيم‭. (‬اقرأ‭ ‬الموضوع‭ ‬كاملا‭ ‬بالموقع‭ ‬الإلكتروني‭)‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬التجربة‭ ‬الإماراتية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مدرسي‭ ‬ضيق،‭ ‬بل‭ ‬ظلت‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬مشروعًا‭ ‬وطنياً‭ ‬جامعاً،‭ ‬تنخرط‭ ‬فيه‭ ‬الأسرة‭ ‬باعتبارها‭ ‬النواة‭ ‬الأولى‭ ‬للتربية،‭ ‬وتساهم‭ ‬فيه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والعلمية،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬مركز‭ ‬أبوظبي‭ ‬للغة‭ ‬العربية،‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬حضور‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬المناهج،‭ ‬وتوسيع‭ ‬فضاء‭ ‬استخدامها‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والإبداع،‭ ‬وربطها‭ ‬بأحدث‭ ‬التقنيات‭ ‬والوسائل‭ ‬الرقمية‭. ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬ومكوناتها،‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة،‭ ‬ومن‭ ‬الثقافة‭ ‬إلى‭ ‬التقنية،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬التجربة‭ ‬الإماراتية‭ ‬تفردها‭ ‬ويجعلها‭ ‬نموذجاً‭ ‬يُحتذى‭.‬

ومع‭ ‬كل‭ ‬بداية‭ ‬لعام‭ ‬دراسي‭ ‬جديد،‭ ‬تتجدد‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬تجاه‭ ‬الأجيال‭ ‬الصاعدة‭. ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نُعلمهم‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬نُعلمهم‭ ‬كيف‭ ‬يكونون‭ ‬أبناء‭ ‬بارين‭ ‬بوطنهم،‭ ‬متمسكين‭ ‬بلغتهم،‭ ‬متفاعلين‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬منفتحين‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬أدوات‭ ‬العصر‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬وطنهم‭ ‬ويُسهم‭ ‬في‭ ‬رفعة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬الرسالة‭ ‬التي‭ ‬حملتها‭ ‬كلمة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬زايد،‭ ‬رسالة‭ ‬تختزل‭ ‬فلسفة‭ ‬الإمارات‭ ‬في‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬الجذور‭ ‬والآفاق،‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والحداثة،‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬والتقنية،‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬والإنجاز‭.‬

إن‭ ‬بدء‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬لحظة‭ ‬تأسيس‭ ‬متجددة‭ ‬لبناء‭ ‬الوطن‭ ‬عبر‭ ‬أبنائه‭. ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬مُلهِمة‭ ‬لسموه،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬دعوة‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نُعمق‭ ‬حضور‭ ‬اللغة‭ ‬العربية،‭ ‬ونُرسخ‭ ‬القِيَم،‭ ‬ونُحسن‭ ‬استثمار‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬لنمضي‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬الإمارات‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل،‭ ‬رحلة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الإيمان‭ ‬بالإنسان‭ ‬أولاً،‭ ‬وعلى‭ ‬الثقة‭ ‬بأن‭ ‬التعليم‭ ‬هو‭ ‬جسر‭ ‬العبور‭ ‬إلى‭ ‬الغد‭.‬