أطفال بلا مدارس

| سليم مصطفى بودبوس

كل‭ ‬عام‭ ‬والمدرسة‭ ‬بخير،‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬والطفل‭ ‬المتعلم‭ ‬بألف‭ ‬خير،‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬والمعلم‭ ‬شمعة‭ ‬تنير‭ ‬دروب‭ ‬الطلاب‭ ‬نحو‭ ‬الخير‭.. ‬إنه‭ ‬موسم‭ ‬العودة‭ ‬المدرسية،‭ ‬نترقبه‭ ‬صغارا‭ ‬وكبارا‭ ‬بفرح‭ ‬وعلى‭ ‬الوجوه‭ ‬يرتسم‭ ‬الأمل،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الفرحة‭ ‬وهذا‭ ‬الأمل‭ ‬يغيب‭ ‬للعام‭ ‬الثالث‭ ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬تغيب‭ ‬مظاهر‭ ‬الاحتفال‭ ‬بموسم‭ ‬العودة‭ ‬المدرسية‭: ‬في‭ ‬البداية‭ ‬فَقَدَ‭ ‬الأطفال‭ ‬الأمان‭ ‬للذهاب‭ ‬إلى‭ ‬المدارس،‭ ‬ثمّ‭ ‬غابت‭ ‬المدارس‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬ملاجئ‭ ‬تُؤوي‭ ‬النازحين‭ ‬المشردين،‭ ‬ثمّ‭ ‬صارت‭ ‬هذه‭ ‬المدارس‭/‬‏‭ ‬الملاجئ‭ ‬ركاما‭ ‬وأنقاضا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دمّرها‭ ‬القصف‭ ‬الهمجيّ‭. ‬يغيب‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬عن‭ ‬المدارس،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬مدمّرة،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬تحوّل،‭ ‬وهو‭ ‬بَعْدُ‭ ‬طفل،‭ ‬إلى‭ ‬رجل‭ ‬يكابد‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬الماء‭ ‬ليملأ‭ ‬وعاء‭ ‬بلاستيكيا،‭ ‬أو‭ ‬يجمع‭ ‬بعض‭ ‬بقايا‭ ‬الدقيق‭ ‬المتناثرة‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬توزيع‭ ‬أو‭ ‬نهب‭ ‬المساعدات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تصل‭ ‬إلا‭ ‬بشق‭ ‬الأنفس،‭ ‬ولا‭ ‬تُوزَّع‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬ذهاب‭ ‬الأنفس،‭ ‬ولا‭ ‬يصل‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬إلا‭ ‬وقد‭ ‬ضاقت‭ ‬نفسه‭ ‬وكره‭ ‬العالم‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬خذلته‭.‬

نعم‭ ‬هكذا‭ ‬علّق‭ ‬مسؤولان‭ ‬أمميان‭ ‬مؤخرا،‭ ‬على‭ ‬فشل‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات،‭ ‬وأعني‭ ‬وكيل‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للشؤون‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومنسق‭ ‬الإغاثة‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ،‭ ‬توم‭ ‬فليتشر،‭ ‬والمديرة‭ ‬التنفيذية‭ ‬لليونيسف،‭ ‬كاثرين‭ ‬راسل،‭ ‬وأضافا‭: ‬“إن‭ ‬الكلمات‭ ‬تتضاءل‭ ‬أمام‭ ‬حجم‭ ‬المعاناة‭ ‬في‭ ‬غزة”‭. ‬وقد‭ ‬أفادت‭ ‬كاثرين‭ ‬راسل‭ ‬بأنّ‭ ‬“الحقيقة‭ ‬البسيطة‭ ‬هي‭ ‬أننا‭ ‬نخذل‭ ‬أطفال‭ ‬غزة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬أعينهم‭ ‬نرى‭ ‬فشلنا،‭ ‬وهو‭ ‬خيانة‭ ‬لحقهم‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬أطفالا؛‭ ‬أطفالا‭ ‬أصحاء‭ ‬وآمنين‭ ‬ومتعلمين”،‭ ‬ونبهت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التاريخ‭ ‬سيحكم‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفشل‭ ‬بقسوة،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أطفال‭ ‬غزة،‭ ‬مثلهم‭ ‬مثل‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬يستحقون‭ ‬السلام”‭.‬

وأفادت‭ ‬المديرة‭ ‬التنفيذية‭ ‬لليونيسف‭ ‬بأنّ‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬خلال‭ ‬أشهر‭ ‬الحرب‭ ‬الـ‭ ‬21‭ ‬الماضية،‭ ‬أودى‭ ‬بحياة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬17‭,‬000‭ ‬طفل‭ ‬وإصابة‭ ‬33‭,‬000‭ ‬آخرين،‭ ‬أي‭ ‬بمعدل‭ ‬28‭ ‬طفلا‭ ‬يُقتلون‭ ‬يوميا‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬فصلا‭ ‬دراسيا‭ ‬بأكمله‭.. ‬وقالت‭ ‬“تأمل‭ ‬ذلك‭ ‬للحظة‭: ‬فصل‭ ‬دراسي‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬يُقتلون‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬لمدة‭ ‬عامين‭ ‬تقريبا”،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬“يُقتلون‭ ‬ويُصابون‭ ‬أثناء‭ ‬وقوفهم‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬المنقذ‭ ‬للحياة”‭.. ‬كما‭ ‬صرّحت‭ ‬كاثرين‭ ‬راسل‭.

باختصار،‭ ‬هي‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الواجهات‭: ‬إبادة‭ ‬المستشفيات‭ ‬وتدميرها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستهداف‭ ‬المتعمّد‭ ‬للطواقم‭ ‬الطبية‭ ‬والإغاثية‭.. ‬إبادة‭ ‬الصحافيّين‭ ‬والتضييق‭ ‬عليهم‭ ‬للانفراد‭ ‬بالصورة‭ ‬والخبر‭ ‬وفق‭ ‬رواية‭ ‬الاحتلال‭.. ‬إبادة‭ ‬المدارس‭ ‬والمنشآت‭ ‬التعليمية،‭ ‬والمعلمين‭ ‬وحتى‭ ‬الطلبة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لنزع‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬سمات‭ ‬المجتمع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وفي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬وهي‭ ‬أنّه‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬الأكثر‭ ‬تعليماً‭ ‬والأقل‭ ‬أمية‭.‬

 

كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية