ثقافة العطاء والاستغناء وما بينهما

| أسامة مهران

يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬ثقافة‭ ‬الشكر‭ ‬ولا‭ ‬يشكرون،‭ ‬عن‭ ‬فضيلة‭ ‬المعروف‭ ‬ولا‭ ‬يرتكبونه‭ ‬إلا‭ ‬بشق‭ ‬الأنفس،‭ ‬الإنكار‭ ‬ديدنهم،‭ ‬والتعالي‭ ‬صفة‭ ‬لا‭ ‬موصوف‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬مصفوف‭ ‬بعدها،‭ ‬هكذا‭ ‬يتعامل‭ ‬البعض‭ ‬مع‭ ‬الإتقان‭ ‬وكأنه‭ ‬رجس‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬الشيطان،‭ ‬ومع‭ ‬الإلهام‭ ‬وكأنه‭ ‬وحي‭ ‬كذوب‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬به‭ ‬الملائكة‭ ‬ولا‭ ‬يهبط‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬مع‭ ‬المطر‭. ‬هكذا‭ ‬هي‭ ‬الأيام‭ ‬عندما‭ ‬تلقي‭ ‬بك‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الخطر،‭ ‬يصبح‭ ‬الفعل‭ ‬وردة‭ ‬الفعل‭ ‬جزءا‭ ‬واحدا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ،‭ ‬والواصف‭ ‬والموصوف‭ ‬وكأنهما‭ ‬شبيهان‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭.‬

مؤخرًا‭ ‬ارتطمت‭ ‬أقدامي‭ ‬بمنطقة‭ ‬محظورة‭ ‬وأنا‭ ‬أقيم‭ ‬حوارًا‭ ‬مع‭ ‬مسؤول‭ ‬عن‭ ‬دوائر‭ ‬معارف‭ ‬متعددة،‭ ‬وقفت‭ ‬في‭ ‬شرك‭ ‬تصوراته‭ ‬عن‭ ‬الذين‭ ‬يجزلون‭ ‬العطاء‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬والروح‭ ‬والضمير،‭ ‬بينما‭ ‬هو‭ ‬لا‭ ‬يقيم‭ ‬وزنًا‭ ‬لهؤلاء‭ ‬“المارقين”‭ ‬في‭ ‬نظره،‭ ‬وجدته‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالجودة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها،‭ ‬ولا‭ ‬بالإبداع‭ ‬بحجم‭ ‬ما‭ ‬يدعي‭ ‬أنه‭ ‬يدعو‭ ‬إليه،‭ ‬ووجدته‭ ‬متشدقًا‭ ‬مازحًا‭ ‬بالقدرات‭ ‬العبقرية‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وكيف‭ ‬أنه‭ ‬سيحل‭ ‬محل‭ ‬الإبداع‭ ‬البشري،‭ ‬ثم‭ ‬وجدته‭ ‬مستخفًا‭ ‬ناكرًا‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬إليه‭ ‬بجدية‭ ‬من‭ ‬شاب‭ ‬في‭ ‬مقتبل‭ ‬العمر‭ ‬وهو‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ضالته‭ ‬المنشودة،‭ ‬متلقفًا‭ ‬فرصة‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬ربع‭ ‬فرصة‭. ‬ثم‭ ‬وجدته‭ ‬ووجدته،‭ ‬متخليًا‭ ‬عن‭ ‬مبادئه‭ ‬التي‭ ‬تربى‭ ‬عليها،‭ ‬ليحل‭ ‬مكانها‭ ‬مبدأ‭ ‬“لا‭ ‬قناعة‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتجلى‭ ‬مع‭ ‬الكنز‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفنى”،‭ ‬ووجدته‭ ‬ووجدتها‭.. ‬ظهيرين‭ ‬متقابلين‭ ‬لكل‭ ‬تضاد‭ ‬في‭ ‬المعنى‭ ‬وخلاف‭ ‬في‭ ‬السلوك،‭ ‬وتناقض‭ ‬في‭ ‬الحركة.

كدت‭ ‬أستسلم‭ ‬لما‭ ‬يُقال‭ ‬عن‭ ‬أسطورية‭ ‬“الشات‭ ‬جي‭ ‬بي‭ ‬تي”،‭ ‬عندما‭ ‬تتحدث‭ ‬معها‭ ‬راجيًا‭ ‬منها‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬عنوان‭ ‬لمقال‭ ‬أو‭ ‬لدراسة‭ ‬أو‭ ‬لكتاب‭ ‬جديد،‭ ‬وجدتها‭ ‬متلعثمة‭ ‬أمام‭ ‬الخيارات‭ ‬التي‭ ‬نضعها‭ ‬أمام‭ ‬التطبيق،‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يأتي‭ ‬إلينا‭ ‬بأسوأ‭ ‬مما‭ ‬نقترح،‭ ‬وأبعد‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬تحت‭ ‬ظل‭ ‬خيالاتنا‭.‬

أدركت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يؤتى‭ ‬به‭ ‬اصطناعيًا‭ ‬لن‭ ‬تمسسه‭ ‬روح،‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬به‭ ‬لمسة‭ ‬شجن‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬فنان‭. ‬رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬ورغم‭ ‬التجارب‭ ‬والمحاولات،‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬تطل‭ ‬برأسها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬عشرات‭ ‬المحاولات،‭ ‬“الشات”‭ ‬ما‭ ‬أروعه‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬تقوده‭ ‬ولا‭ ‬تتركه‭ ‬يقودك،‭ ‬بشرط‭ ‬أن‭ ‬تعلمه‭ ‬وأحيانًا‭ ‬تلقنه‭ ‬حتى‭ ‬تستطيع‭ ‬الوصول‭ ‬معه‭ ‬إلى‭ ‬مستقر‭ ‬بشأن‭ ‬معلومة،‭ ‬وحقيقة‭ ‬دامغة‭ ‬بخصوص‭ ‬حدث‭ ‬عظيم‭.‬

سألناه‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬رأس‭ ‬الإمام‭ ‬الحسين‭ (‬ع‭)‬،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬دفنت‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬مثلما‭ ‬يعتقد‭ ‬المصريون‭ ‬أم‭ ‬إنها‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬الجسد‭ ‬قبل‭ ‬أربعين‭ ‬الإمام‭ (‬ع‭) ‬في‭ ‬مستقرها‭ ‬الأخير‭ ‬بكربلاء‭ ‬بالعراق،‭ ‬الإجابات‭ ‬من‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬جاءت‭ ‬إلينا‭ ‬مهترة‭ ‬وغير‭ ‬واثقة،‭ ‬بل‭ ‬ومرددة‭ ‬للآراء‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬الرأس‭ ‬الطاهرة‭ ‬لم‭ ‬تدفن‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬دُفنت‭ ‬فيها،‭ ‬“الشات”‭ ‬أضاعنا‭ ‬معه‭ ‬وأضاع‭ ‬المعلومة‭ ‬في‭ ‬آراء‭ ‬متعددة‭ ‬لا‭ ‬يحسمها‭ ‬يقين‭ ‬ولا‭ ‬تؤكدها‭ ‬حجة‭ ‬ولا‭ ‬يسندها‭ ‬برهان‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬تحت‭ ‬أيدينا‭ ‬لن‭ ‬يختلف‭ ‬كثيرًا‭ ‬عما‭ ‬تأتي‭ ‬به‭ ‬التقنية‭ ‬الحديثة،‭ ‬صحيح‭ ‬أنها‭ ‬أرشيف‭ ‬معلومات‭ ‬متحرك،‭ ‬ومحرك‭ ‬لبديهيات‭ ‬ينبغي‭ ‬إعادة‭ ‬البحث‭ ‬فيها‭ ‬واستقراء‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬غامض‭ ‬منها،‭ ‬وصحيح‭ ‬أن‭ ‬“الشات”‭ ‬واسع‭ ‬الصدر،‭ ‬رحب‭ ‬الأفق،‭ ‬ولا‭ ‬يغضب‭ ‬أبدًا،‭ ‬لكن‭ ‬الصحيح‭ ‬أيضًا‭ ‬أنك‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬تمتلك‭ ‬أصول‭ ‬المعارف،‭ ‬فإنك‭ ‬قد‭ ‬تضيع‭ ‬لو‭ ‬اعتمدت‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الصديق‭ ‬الإلكتروني‭ ‬لكي‭ ‬يدلي‭ ‬بدلوه‭ ‬نيابةً‭ ‬عنك،‭ ‬ولو‭ ‬استنجدت‭ ‬به‭ ‬لينقذك‭ ‬من‭ ‬مأزق،‭ ‬أو‭ ‬يُلقي‭ ‬لك‭ ‬بطوق‭ ‬نجاة‭ ‬من‭ ‬هدير‭ ‬التحدي‭ ‬كي‭ ‬يرفع‭ ‬عنك‭ ‬الحرج‭.‬

ثقافة‭ ‬العطاء‭ ‬والاستغناء‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نضلل‭ ‬بها‭ ‬محتاجا،‭ ‬أو‭ ‬نجيب‭ ‬عن‭ ‬طريقها‭ ‬على‭ ‬تساؤلات‭ ‬سائل‭ ‬محروم،‭ ‬وآخر‭ ‬مشبعًا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬نلقي‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬سموم،‭ ‬هي‭ ‬ثقافة‭ ‬ادعاء‭ ‬تتشابه‭ ‬مع‭ ‬ثقافة‭ ‬الشكر‭ ‬المبطن‭ ‬باللف‭ ‬والاستعلاء،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬إلى‭ ‬حياتنا‭ ‬العملية‭ ‬لكي‭ ‬تضيف‭ ‬إلينا‭ ‬اختزالاً‭ ‬جديدًا‭ ‬لأسمى‭ ‬قيمنا،‭ ‬وحميد‭ ‬أخلاقنا،‭ ‬ونبيل‭ ‬مواقفنا،‭ ‬و‭.. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يتخفى‭ ‬مستترًا‭ ‬وراء‭ ‬القصد‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية