“طراطيش كلام”!
| كمال الذيب
هناك نوع من المواقف والكتابات تصدر عن أناس يفترض بهم امتلاك العلم والحصافة، وبالتالي بناء المواقف على المعلومات الصحيحة الموثوقة، ولكن للأسف كثيرا ما نجد أمثال هؤلاء يخبطون بعشوائية معتمدين على “طراطيش كلام” أو على الإشاعات، ترجمة لنزعات ذاتية غريزية تقودهم إلى ارتكاب أخطاء لا تليق بهم ولا بمقاماتهم. وهناك نوع آخر من الكتابات والمواقف التي تبنى على الوقائع من حيث الظاهر، ولكنها تكيف هذ الواقع بشكل “وقيعي”، أي بنية الإيقاع بالآخرين وبمواقفهم أو التعريض بهم، بتحريف المعلومات أو الوقائع وتأويلها تحت تأثير النزعات الآيديولوجية، أو الدوافع الشخصية والعصبيات المختلفة، وهذا أيضا عمل لا أخلاقي، خصوصا إذا كان مبنيا على نية الاستخفاف بعقول الناس. فكم تقاتلت قبائل وشعوب وأمم، بسبب الاختلاف في تأويل ماضيها الموهوب أصلا للزيف، مع أن تزييف الوقائع أو التاريخ ليس مكسبا تهفو إليه العقول الحصيفة، ولكنه ليس بدعة مستحدثة، بل حرفة دأبت البشرية على تناقلها وتوارثها جيلا بعد جيل، مثلما توارثت وتناقلت الكذب والنهش والنبش والتزييف والاقتتال من أجل الشهوة والسلطة والمال. وأقسى ما في هذا الأمر هو انخراط المثقف، ضمن طابور الزيف والتحريف والترويج للأوهام، باسم الرأي أحيانا، وباسم الدين أو الطائفة أو الحزب أحيانا أخرى، ولكن باسم الأنانية والمصالح الذاتية في أغلب الأحيان! صحيح أن الخصام شأن إنساني لا فكاك منه، وأنه من أمراض البشر الجينية، التي من دونها قد لا يكون البشر ناقص البشرية، ولكن هذه الصراعات مهما كان نوعها، يفترض أن يحكمها مبدأ “الحق في الاختلاف”، بحيث لا يكون الخلاف - مهما كان نوعه - عائقا أمام فوز الإنسان بحقوق كثيرة لا معنى للحياة الكريمة من دونها، مثل حفظ الحق والكرامة والحرية. ومع ذلك فإن تأكيد حق الاختلاف وحده - مثلما يفعل البعض - دون تحديد ماهيته وأفقه وأدواته، يدفعنا إلى الشكّ في سلامة أهدافه المرسومة من بعض المحسوبين على الثقافة، الذين يفترض أن يكونوا قوة وعي واستنارة وفهم وفرز، قوة الحقيقة في مواجهة الجهل والدجل، قوة الإنصاف في مواجهة آلة الكذب والتزييف والنوازع الغريزية.