التحفيز.. ثقافة تصنع الأبطال وتبني الأمم
| زهير توفيقي
في لحظة فارقة، لم يفكر المواطن السعودي ماهر الدلبحي في نفسه ولا في سلامته، بل اندفع بشجاعة نادرة لإبعاد شاحنة مشتعلة داخل محطة وقود، مخاطرا بحياته من أجل حماية أرواح الآخرين وممتلكاتهم. موقف بطولي استثنائي قابله تكريم استثنائي من خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بمنحه وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى ومكافأته بمليون ريال سعودي؛ ما يؤكد أن البطولة والتضحية لا تمر مرور الكرام، وأن التقدير قيمة راسخة في بناء الأوطان. هذا المشهد الملهم لا ينبغي أن يُقرأ على أنه مجرد واقعة فردية، بل هو درس إداري واجتماعي عميق في فن القيادة، فالتقدير والتحفيز يولدان مزيدا من العطاء، ويحوّلان الأفعال الفردية إلى ثقافة جماعية. الإنسان لا يعمل بدافع الأجر المادي فقط، بل بدافع الانتماء والشعور بقيمة ما يقدمه، وعندما يجد التقدير، فإن طاقاته الداخلية تتفجر، ويصبح أكثر استعدادا للتضحية والبذل. وقد عالجت النظريات الإدارية الحديثة هذا الجانب بتفصيل، فأبراهام ماسلو في هرمه الشهير للاحتياجات الإنسانية وضع التقدير والاعتراف في مرتبة عليا، مؤكدا أن الإنسان لا يحقق ذاته إلا إذا شعر بأن جهده محل احترام وتقدير، أما فريدريك هرزبرغ فقد أوضح أن عوامل الرضا الوظيفي لا تتحقق بالراتب وحده، بل بالتحفيز المعنوي والإحساس بالإنجاز، في حين أن دوغلاس ماكغريغور أشار في نظريته إلى أن القادة الذين يؤمنون بقدرات موظفيهم ويثقون بهم ينجحون في بناء فرق عمل منتجة ومتحفزة، بعكس الذين يظنون أن موظفيهم كسالى بطبيعتهم، فيغرقون في الرقابة والعقاب. وإذا تأملنا التجارب العملية لبعض القادة العالميين في الإدارة، نجد أن جوهر نجاحهم لم يكن في الخطط أو الهياكل التنظيمية وحدها، بل في قدرتهم على إلهام فرق عملهم وتحفيزها؛ فقد كانوا يدركون أن أفضل وسيلة للإنجاز هي أن يشعر كل فرد بأهمية ما يقوم به، وبأنه شريك أصيل في النجاح. هذه القناعة ليست حكرا على الغرب أو الشرق، بل هي قاعدة إنسانية عامة تؤكد أن التحفيز سر استدامة العطاء. ومع ذلك، ما تزال بعض مؤسساتنا العربية تتعامل مع موظفيها وكأنهم مجرد أرقام في سجلات الرواتب، متجاهلة أن كلمة طيبة قد تصنع في نفوسهم الكثير. وهذا ما يذكرنا بالحديث الشريف “الكلمة الطيبة صدقة”، فربما يكفي شكر صادق، أو إشادة علنية، أو كلمة اعتراف بالجميل، لتُحيي في النفوس الأمل وتُجدد الحماسة. في البحرين، هناك الكثير من القياديين البحرينيين الناجحين المشهود لهم بالبنان، وبذلوا الغالي والنفيس لنجاح مؤسساتهم في مختلف القطاعات والارتقاء بالعاملين من خلال تقديم الدعم اللازم لتدريبهم وتأهيلهم. إن تكريم القيادة السعودية للمواطن الدلبحي لم يكن مجرد مكافأة لفعل بطولي، بل رسالة للمجتمع بأسره أن من يقدّم روحه في سبيل الآخرين لا يُترك دون تقدير، وأن البطولة والشجاعة تُخلّدان في الذاكرة الوطنية. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتوقف عنده مليا؛ فالمؤسسات التي تفهم قيمة التحفيز وتطبقه بصدق، تزرع الولاء في قلوب موظفيها، وتخلق بيئة عمل صحية قائمة على الثقة والاحترام، فتتحول من مجرد مكان للوظيفة إلى فضاء للإبداع والعطاء. إن التحفيز ليس إجراء إداريا عابرا، بل هو ثقافة متكاملة تبدأ من القيادة وتنعكس على كل فرد، وتحوّل الجهود الفردية إلى طاقة جماعية. ولو استوعبنا هذا الدرس وطبقناه في مؤسساتنا ومجتمعاتنا، لتحولت بطولة فرد واحد إلى سلوك عام أو ثقافة عامة (Corporate Culture)، ولانتقل أثرها من موقف بطولي عابر إلى نجاح أمة بأكملها. الخلاصة.. تذكروا أن الإدارة فن.