الصحافة بين حفاوة الاحتفاء وجفوة الارتقاء

| أسامة مهران

لا ارتقاء من دون انتماء، هكذا يؤكد المبشرون بالصحافة، وهكذا يقدمون التحقق على الاحتفاء، القول متيسر لو لم نربطه بالذي يحدث في صحافتنا العربية، بالذي نرجوه منها، والذي نفرضه عليها. نرجو من الصحافة أن تكون على مستوى التحدي، في الوقت الذي نفرض فيه عليها أن تواجه بإمكاناتها المحدودة، وأن تنفق من خزائنها على صناعة لم تعد تربح، ونطلب منها التزاما وانضباطا، عن مصائر شعوب، عن قضايا أمم، ونطلب منها أن تطور نفسها بنفسها، أن تواكب تكنولوجيا العصر، وأن تجري بسرعة الصاروخ وهي لا تمتلك سوى خزان وقود فارغ إلا من التحدي الكبير - نكون أو لا نكون. فرضنا عليها ألا تتجاوز ما هو في مقدورها، وأوصيناها بعد تسريح الصحافيين المحترفين وإحلال موظفين مكانهم، طلبنا منها أن ترد باحترافية ومهنية، وطلبنا منها أن تكون عند حسن الظن، فكانت عند حسن الظن، ثم فرضنا عليها فرص عمل هزيلة... موظفون مكلفون بالإبداع، وتقليديون مطالبون بالخروج عن المألوف، طلبنا منهم تحسين صورة المجتمع العربي وحماية الهوية العربية من التشويش والتشويه، والشخصية العربية من التجريف والتحريف، ثم عدنا وسحبنا منها الصلاحيات التي تمكنها من تحقيق الهدف المنشود ليس من أجل بطولات وهمية، أو جوائز مستهدفة، إنما من أجل صون حقوق، وحماية حدود، وتخليص شعوب.

قلنا للصحافة: توقفي يا صاحبة العصمة، فأنت لست معصومة، بل مهمومة بتطوير أدواتك، وتسخير أقلامك، وطرد الدخلاء الذين إذا فشلوا عاقبونا ولامونا وقالوا لنا: توقفوا، أو اذهبوا أدراج الرياح. يطالبوننا بالاحتفاء معهم بإنجازات “مليون سنة” كذا وكذا، ثم لا يستمعون إلى شكوانا، لا حقوق تُذكر، ولا تقاعد لصحافي مسن. هكذا النظرة إلى الصحافة، لا نمنحك شيئا ونطالبك بكل شيء، لا نساويك بمن يسلكون نفس مسارك المعني في دول شقيقة وصديقة، وعندما نطالب بالمساواة يواجهوننا بالصمت الرهيب. قادتنا بخير لأن أمتنا بخير، لكن القائمين على أجهزة الصحافة الحديثة، هم المسؤولون عن توصيل رسالتنا بالمقلوب، هم الذين لا يدافعون عن الحق الذي سيظل وراءه مُطالب، وهم الذين تركوا الصحافة الورقية فريسة لشتى أنواع النهب الإلكتروني وأدوات التواصل اللااجتماعي، لتنال ما تناله منها، فلا عناية مشددة بالمطبوعات التي فقدت روحها في غفلة من المقومات الضرورية للحياة. هل يُعقل أن هناك دولاً عربية تمنح الصحافي بدل تكنولوجيا للارتقاء بأدواته ومهنته، بينما توجد دول أخرى لا تمنح أي راتب لمجرد أن صحيفته تُغلق، وأن مطبوعته تفلس؟ هل يُعقل أن الدول التي يعاني اقتصادها الأمرين هي التي تدعم الصحافيين برواتب تقاعدية وباتفاق حكومي وليس خاصا، ومن دون أية مساعدات من كائن من كان، بينما ترفض منظومات إعلامية أخرى تقديم أي شكل من أشكال الدعم للصحافيين أو لأجهزة الإعلام التي يُطلب منها عملاً يحتاج لإمكانات، وآليات، وصحافيين واحترافيين في كل منحى وكل مجال؟ بكل تأكيد نحن مع ثقافة الاحتفاء، ومع قداسة الانتماء، أيهما أو كلاهما شقى رحا في منظومة يمكن أن تفقد دورها لو لم تستيقظ بسرعة وتعطي كل ذي حقٍ حقه، ولو كره البعض صحافتنا، ولو لم يؤمنوا بأنها السد المنيع.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية