أوكرانيا و“تحالف الراغبين”.. لحظة فارقة للنظام العالمي
| أحمد جعفر
من يتابع الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي تقوده الولايات المتحدة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، يدرك أن العالم يعيش أهم مرحلة منذ الحرب الباردة، وهي لحظة قد تعيد تشكيل النظام العالمي القائم على القواعد. بين ضفتي الأطلسي، ثمة خلافات عميقة منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الجاري؛ فالرئيس الأميركي الذي يرغب في إنهاء الحرب بأي ثمن انحاز إلى روسيا التي غزت جارتها أوكرانيا منذ شتاء العام 2022. لكن ترامب الذي قال في الربيع الماضي صراحة إن بوتين تلاعب به بعد مقترح هدنة الـ 30 يومًا، يبدو أنه أدرك على استحياء هذه المرة أنه تعرض للخداع مرة أخرى. قبل قمة ألاسكا التاريخية، كانت أوروبا قلقة من اندفاع ترامب نحو إبرام صفقة سلام مع بوتين دون وضع اعتبار لأمن القارة العجوز.. لكن الوحدة الأوروبية والدعم الراسخ لأوكرانيا - باستثناء المجر - الذي ظهر لحظة حضور قادة المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض، أظهر عرضًا بارزًا للتضامن مع كييف، وحافظ على شيء من الوحدة عبر الأطلسي. وما ساعدهم في ذلك هو محاولة بوتين الدفع باتجاه اتفاق سلام شامل من أجل إطالة أمد المفاوضات عبر مطالبته بمعالجة “الأسباب الجذرية” للنزاع، بينما يواصل حربه ضد أوكرانيا لتحقيق مكاسب على خط المواجهة. وفي قاموس بوتين، تعني “الأسباب الجذرية” تقييد وجود حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الشرقية والسماح لروسيا بتحديد حدود سيادة أوكرانيا، ما يعيد تموضع روسيا جيوسياسيًا في المنطقة، وهذا ما يرفضه الأوروبيون. ومع ذلك، يحتاج الأوروبيون إلى العمل مع واشنطن بزخم أكبر، تمامًا كما تحتاج واشنطن للمظلة الأوروبية؛ فالعقوبات التي خنقت الاقتصاد الروسي لم تكن لتنجح لولا التحالف الغربي العابر للأطلسي، وأية ثغرة في هذا الجدار ستمنح بوتين رغبته بمواصلة لعبة كسب الوقت. إن الرئيس الروسي، من جانبه، يدرك تمامًا مكامن الضعف في هذه المعادلة الغربية بين العواصم الأوروبية وواشنطن؛ فالرجل الذي صعد من جهاز الاستخبارات إلى قمة الكرملين، يجيد اللعب على الوقت ويعرف كيف يوظف الخلافات داخل المعسكر الغربي لصالحه، وهو لم يُبدِ يومًا استعدادًا للتعامل مع أوكرانيا كدولة ذات سيادة، بل يواصل استحضار سرديات تاريخية تعتبر كييف جزءًا من روسيا، ويروج في الداخل رواية مفادها أن أوكرانيا ليست سوى “دمية غربية” ينبغي إعادتها لموسكو. أمام هذه المعطيات، فإن كل المؤشرات توحي بأن بوتين سيراوغ ولن يجلس مع زيلينسكي على طاولة واحدة؛ لأسباب واضحة: مجرد ظهورهما في مشهد رسمي متكافئ سيقوض سرديته أمام الداخل الروسي، والتي تصف حكومة أوكرانيا بالكيان “غير الشرعي”. وفي ضوء ذلك، يحتاج القادة الأوروبيون للعمل مع الولايات المتحدة في اتجاهين، الأول توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا من خلال “تحالف الراغبين” حال إبرام أي اتفاق سلام محتمل وهو أمر غير محتمل حاليًا، أو استمرار الدعم الغربي الراسخ لكييف لمواصلة القتال على الجبهة، وهو دعم مكّن الأوكرانيين من التصدي لغزو عاصمتهم في الأيام الأولى للحرب. إنها لحظة فارقة في العالم؛ فإما أن تثبت إدارة ترامب أن التحالف الغربي مع أوروبا قوي ومتماسك وراسخ في دعم أوكرانيا، أو ينجح بوتين في تكريس معادلة مختلفة قد تكتب فصول نظام عالمي جديد.
كاتب بحريني