الحاجة إلى لغة جديدة تعترف بالواقع

| كمال الذيب

بالرغم من وضوح المشروع التوسعي لإسرائيل منذ البدايات الأولى للنشأة، كحلم ورؤية ونواة لما يسمى بإسرائيل الكبرى، فإن التوجه العملي لتنفيذ هذا المشروع تم الإعلان عنه رسميا مؤخرا بشكل صريح ومباشر، عندما عبر نتنياهو صراحة عن عميق ارتباطه بمشروع “إسرائيل الكبرى” باعتبار أن اللحظة الراهنة هي الأنسب لتحقيقه في سياق الغرور المتزايد والاعتداد بالقوة وبنجاح العدوانية التوسعية حتى الآن، مدعومة من الغرب. ومادامت إسرائيل قد أصبحت في طريق مفتوح، من دون رادع من أي نوع كان، ومادام مشروعها المرتكز على سرديات ابتدعتها بالخرافات والمكر والتضليل، في سبيل الاستيلاء على العقل الغربي الغارق في الشعور بالإثم، ومادامت الحكومات الإسرائيلية لا تزال قادرة على إقناع الغرب بأن فلسطين هي “أرض الميعاد”، فلا غرابة أن يدفع الثمن عبر الدعم الأعمى واللامحدود ترجمة لهذا الانسياق وراء تلك السرديات، وتكفيرا عما قام به هذا الغرب من تنكيل باليهود. وفي غياب أية إرادة دولية لردع هذه العدوانية المعتدة بنفسها، لم يبق سوى الإرادة الفلسطينية للبقاء ومواجهة الاحتلال والاستمرار في دفع الثمن الباهظ منذ أكثر من سبعين سنة، مدعومة من الشباب الواعي عبر العالم والضمير الإنساني الحي الذي تحرر من تلك السرديات والأكاذيب. ولا أجد معبرا عن هذه الإرادة أفضل مما نشره الكاتب الإسرائيلي (آري شبيت) في صحيفة هآرتس في أكتوبر 2023 ملخصا في الفقرات المختصرة التالية جانبا من هذه الحقيقة: “يبدو أن الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا على شبابهم بنات الهوى والمخدرات، وقلنا ستمر بضع سنوات، وسينسون أرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر انتفاضة الـ 1987”. أدخلناهم السجون وقلنا سنربيهم في السجون.. وبعد سنوات، وبعد أن ظننا أنهم استوعبوا الدرس، إذا بهم يعودون إلينا بانتفاضة مسلحة في سنة ألفين (...) فقلنا نهدم بيوتهم ونحاصرهم سنين طويلة، وإذا بهم يستخرجون من المستحيل صواريخ يضربوننا بها، رغم الحصار والدمار، فأخذنا نخطط لهم بالجدران والأسلاك الشائكة.. وإذا بهم يأتوننا من تحت الأرض عبر الأنفاق، (...) إن القوة الوحيدة في العالم القادرة على إنقاذ إسرائيل من نفسها، هي.. الإسرائيليون أنفسهم، بابتداع لغة سياسية جديدة، تعترف بالواقع، وبأن الفلسطينيين متجذرون في هذه الأرض”.

كاتب وإعلامي بحريني