الاتصالات "الغنية": كيف يؤثر الانفتاح الاجتماعي للمجتمع على دخل الناس
| حسين سلمان أحمد الشويخ
تعتمد فرص ثراء أفراد الأسر ذات الدخل المحدود على مدى تواصلهم مع الأثرياء في حياتهم اليومية. حتى الآن، اقتصرت هذه النتيجة على الولايات المتحدة فقط، وقد أكدتها دراسةٌ استخدمت بياناتٍ من مختلف البلدان.
في عام ٢٠٢٢، قام فريق من الاقتصاديين بقيادة راج تشيتي، الأستاذ بجامعة هارفارد والحائز على ميدالية جون بيتس كلارك، التي تُعتبر ثاني أعلى جائزة في الاقتصاد بعد جائزة نوبل، بدراسة بيانات أمريكية، ووجدوا أن الصداقات بين أفراد من فئات اجتماعية واقتصادية مختلفة تُعزز الحراك الاقتصادي. يشير هذا المصطلح إلى قدرة الفرد على زيادة دخله من خلال الارتقاء في "سلم الدخل". فوجود عدد كبير من المعارف في مراتب أعلى في "سلم الدخل" يُعزز الحراك الاقتصادي بشكل يفوق عوامل راسخة كالتحصيل التعليمي. أكدت دراسة جديدة أجراها اقتصاديون من جامعة لوسيرن هذه النتائج، مستخدمين بيانات من 15 دولة متقدمة. كلما قلّ التمييز الاجتماعي في بلد ما، زادت فرص نجاح المولودين لأسر فقيرة في المستقبل. في العديد من المجتمعات، عند سؤال من يجلس بجانبك على طاولة الغداء في كافتيريا المكتب أو في المقهى، تكون الإجابة: أشخاص يشبهونك كثيرًا، كما لاحظ مؤلفو الدراسة، كريستوف شالتيجر وميلاني هونر-مولر ويوناس بوهلر. إن الميل إلى التواصل فقط مع أشخاص من نفس المكانة الاجتماعية يخلق حواجز مستمرة في التفاعلات اليومية. هذه الحواجز لا تعكس فقط الطبقية الاجتماعية والاقتصادية، بل تحدد أيضًا الوصول إلى المعلومات والموارد والفرص، مما قد يزيد من عدم المساواة. في المقابل، يوفر المجتمع الذي يتفاعل فيه الناس من طبقات اجتماعية مختلفة فرصًا أكبر للارتقاء في سلم الدخل "من بداية منخفضة". ويخلص مؤلفو الدراسة إلى أن "من تقابله في الحياة اليومية مهم". *الاتصال الاقتصادي* على غرار تشيتي، وضع الاقتصاديون السويسريون مؤشرًا للترابط الاقتصادي: يعكس نسبة الأشخاص ذوي المكانة الاجتماعية والاقتصادية العالية بين معارف الأشخاص ذوي الدخل الأقل من المتوسط. وخلافًا لتشيتي، الذي استندت دراسته إلى بيانات أكثر من 70 مليون مستخدم أمريكي لوسائل التواصل الاجتماعي، أي جهات الاتصال عبر الإنترنت، وضع شالتيغر وزملاؤه مؤشرهم بناءً على لقاءات شخصية فعلية. لقد استخدموا بيانات من برنامج المسح الاجتماعي الدولي لعام 2019 (ISSP)، والذي يحتوي على مسوحات موحدة أجريت باستخدام نفس المنهجية في بلدان مختلفة، مما يسمح بمقارنة النتائج. سُئل المشاركون تحديدًا عن مدى تواتر تواصلهم مع أشخاص "أغنى بكثير" منهم. وشمل التواصل لقاءات يومية عابرة في الشارع، وفي المواصلات العامة، وفي المتاجر، وفي الحي، وفي العمل. واعتبر الباحثون أن اللقاءات المنتظمة هي تلك التي تحدث مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا. ثم، لكل دولة من الدول الخمس عشرة، قاموا بحساب الارتباط الاقتصادي - نسبة المشاركين ذوي الدخل الأقل من المتوسط الوطني الذين يندرجون ضمن فئة "التواصل المنتظم". يشير انخفاض مستوى المؤشر إلى تفاوت اجتماعي واقتصادي واضح في المجتمع، بينما يشير ارتفاعه إلى تكامل اجتماعي أكبر بين الفئات ذات مستويات الدخل المختلفة.
*عينة الدراسة* استناداً إلى استطلاعات رأي دولية أجراها معهد ISSP وشارك فيها ما يزيد على 18600 مشارك، قام الباحثون ببناء مؤشرات للاتصال الاقتصادي لـ 15 دولة - النمسا وأستراليا وسويسرا وألمانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا والمملكة المتحدة وأيسلندا وإيطاليا واليابان والنرويج ونيوزيلندا والسويد والولايات المتحدة.
*حيث الفقراء والأغنياء أصدقاء وليسوا أصدقاء* لقد تبين أنه على الرغم من أن جميع البلدان الخمسة عشر في العينة هي اقتصادات ذات دخل مرتفع، فإن مستوى الترابط الاقتصادي بينها يختلف بشكل كبير. في المتوسط، أفاد 52% من المجيبين ذوي الدخل الأقل من المتوسط بتواصلهم الأسبوعي مع أشخاص أثرياء. وسجلت فرنسا أدنى معدل، وهو 24.5%، ما يعني أن واحدًا فقط من كل أربعة أشخاص من ذوي الدخل المحدود يصادف أشخاصًا أثرياء بانتظام في حياته اليومية. أما الدول الأخرى الأكثر انعزالًا اجتماعيًا في العينة، فكانت اليابان والنمسا والولايات المتحدة، حيث بلغت مؤشرات الترابط الاقتصادي 29.3% و30.3% و32.5% على التوالي. يتفاعل الأشخاص من مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكثر شيوعًا في أيسلندا (49.9%)، والنرويج (50.2%)، والسويد (55.8%)، وسويسرا (57.1%)، التي تُعد الرائدة بلا منازع في التكامل الاجتماعي. ويشير المؤلفون إلى أن عوامل مثل تماسك المدن، والتنمية المختلطة، والبنية التحتية العامة المتكاملة قد تُسهم في ذلك. تُمثل السويد والنرويج النموذج الاسكندنافي، الذي يتميز بانخفاض نسبي في التفاوت الاجتماعي ومستوى عالٍ من الثقة الاجتماعية، وهو ما يتجلى أيضًا في تقارب العلاقات اليومية بين مختلف الطبقات الاجتماعية. الفجوة بين الدول الرائدة والأسوأ في التواصل الاقتصادي أكبر من الضعف. ففي سويسرا تحديدًا، تزيد احتمالية تواصل الشخص ذي الدخل المنخفض بانتظام مع الأغنياء بمقدار الضعف تقريبًا مقارنةً بالولايات المتحدة. ويشير هذا إلى أنه على المستوى بين البلدان، يعمل الاتصال الاقتصادي كمؤشر هيكلي للانفتاح الاجتماعي، والذي يزعم تشيتي وزملاؤه أنه يسهل انتشار المعلومات والأعراف والاتصالات التي تعمل على توسيع الفرص في المجتمع، كما لاحظ المؤلفون.
*الاتصال الاقتصادي والفرص* قارن المؤلفون مؤشرات الترابط الاقتصادي لخمسة عشر دولة بالبيانات المتاحة بين الدول حول الحراك الدخلي بين الأجيال (التغيرات في مستوى دخل الفرد مقارنةً بمستوى دخل والديه). وكانوا مقتنعين بأن هذين المؤشرين يرتبطان ارتباطًا مباشرًا. تميل الدول ذات الترابط الاقتصادي العالي، مثل سويسرا ودول الشمال الأوروبي، إلى تحقيق حراك دخل مرتفع بين الأجيال، ما يعني أن دخل أبنائها عند البلوغ يكون أقل اعتمادًا على دخل آبائهم. في المقابل، تُظهر الدول ذات الترابط الاقتصادي المنخفض، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، حراك دخل أقل بين الأجيال. على سبيل المثال، في سويسرا، الدولة الأكثر "انفتاحًا اجتماعيًا" في العينة، كان حراك الدخل بين الأجيال، وفقًا لحسابات المؤلفين، أعلى بمقدار 1.6 مرة منه في الولايات المتحدة الأقل انفتاحًا اجتماعيًا. ويتفق هذا الاكتشاف مع الفرضية القائلة بأن التفاعلات الأكثر تكرارا بين الطبقات الاجتماعية تزيد من قدرة الناس على الوصول إلى الفرص الاقتصادية، كما أشار شالتيجر وزملاؤه.
*لماذا يُعدّ التنقل في الدخل أمرًا مهمًا؟* تزايد حركة الدخل يتسارع النمو الاقتصادي وتساعد على الحد من الفقر. تُظهر دراسة أجراها البنك الدولي على 87 دولة، تغطي 84٪ من سكان العالم، أن التنقل في الدخل الصاعد يرتبط سلبًا بعدم المساواة ويرتبط إيجابًا بالدخل القومي للفرد. ومع ذلك، حتى داخل أكثر البلدان ازدهارًا، يختلف التنقل الاقتصادي اختلافًا كبيرًا . على سبيل المثال، في سويسرا يكون أعلى بمقدار 1.3 مرة من ألمانيا وأعلى بمقدار 1.8 مرة من إيطاليا. يصف خبراء الاقتصاد في البنك الدولي الحلقة المفرغة التي يخلقها عدم المساواة: فكلما ارتفع، زاد تقييده لقدرة الناس على الصعود في سلم الدخل، مما يؤدي بدوره إلى زيادة عدم المساواة بمرور الوقت. يؤدي عدم المساواة في الدخل إلى استثمار غير متساوٍ من قبل الآباء في أطفالهم ويؤثر على السياسات والمؤسسات والمجتمع، مما يخلق فرصًا غير متكافئة للأشخاص من الأسر الغنية والفقيرة. لاختبار الارتباط الذي توصلوا إليه، أعاد الباحثون حساب النتائج فقط لأفقر الناس - أي أدنى 10% وأدنى 20% من توزيع الدخل - في كل دولة من الدول الخمس عشرة المشمولة بالعينة. وظلت الدول الرائدة والدول غير الرائدة في مجال الترابط الاقتصادي على حالها. كان الاختبار الآخر إعادة حساب النتائج بناءً على مستوى تعليم المشاركين، لا على دخلهم. وظل ترتيب الدول كما هو تقريبًا: فالدول التي يتفاعل فيها الأشخاص ذوو التعليم الأقل من الثانوي مع الأغنياء غالبًا ما تحتل مراتب عالية في مؤشر التواصل الاقتصادي، حيث تصدّرت سويسرا والسويد القائمة، بينما تذيلت اليابان وفرنسا القائمة. ويشير هذا إلى أنه بغض النظر عن كيفية تعريف "الفقر" (حسب مستوى الدخل، حسب التعليم، حسب عتبة فقر محددة)، فإن النتيجة هي نفسها عمومًا: ففي بعض المجتمعات، تختلط مجموعات اجتماعية واقتصادية مختلفة بشكل أكبر، وفي مجتمعات أخرى - بشكل أقل، أي أن هذه سمة هيكلية مستقرة لهذه المجتمعات. تُظهر المقارنات بين الدول التي أجراها المؤلفون بعض الاستثناءات للاتجاه العام: إذ تُظهر النمسا والدنمارك مؤشرًا منخفضًا نسبيًا للتواصل الاقتصادي (30% و37% على التوالي)، ولكنهما تتمتعان بتنقل دخل مرتفع للغاية - أقل بقليل من سويسرا، الدولة الرائدة. ويؤكد المؤلفون أن التواصل الاقتصادي آلية قوية، ولكنها ليست الآلية الوحيدة التي تؤثر على فرص الشخص في تسلق السلم الاجتماعي. ويمكن تفسير ارتفاع التنقل في الدنمارك والنمسا بعوامل أخرى توفر مسارًا أكثر رسمية للنجاح، وأقل اعتمادًا على الاتصالات غير الرسمية (على سبيل المثال، مؤسسات تعليمية وسوق عمل قوية تُسهّل التنقل الرأسي للدخل بغض النظر عن الوضع الاجتماعي). إن وجود مثل هذه "الاستثناءات" لا يلغي الاتجاه العام، ولكنه يؤكد على الطبيعة المعقدة للتنقل الاقتصادي. ويُعد الترابط الاقتصادي أحد أهم أدواته. ويوضح اقتصاديون سويسريون أن التواصل المتكرر بين الأشخاص ذوي المستويات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة يوفر فرصًا أكثر تكافؤًا. كما أن العلاقة بين الترابط الاقتصادي والحراك التعليمي بين الأجيال إيجابية أيضًا: ففي البلدان التي تتمتع بتواصل أوثق بين أفراد من فئات اجتماعية مختلفة، يتمتع الأشخاص ذوو الوضع الاجتماعي الأدنى، كقاعدة عامة، بفرصة أفضل للحصول على تعليم أفضل. ويخلص الباحثون إلى أن التواصل اليومي بين الأشخاص ذوي الدخل المختلف يُعد آلية مهمة تُسهم في بناء مجتمعات أكثر مرونةً وعدالة.