خربشة ومغزى | "الأنا.. اِستِلذاذ مَحَاسن.. يَتَمحوُر حول الذَّات"
| أحمد عبدالله الحسين
الأنا فيه اِستِلذاذ مَحَاسن يَتَمحوُر حول الذَّات، وغريزة لا ينفك منها كثير من الناس، يحبُّ بروز، ويأنس مديح، ويطمح تشكيل صورة يريد أن يصبح فيها، والأنا كذلك فيها شعور وإحساس تحمله النفس لا يفارق الذاكرة، ولا يخلو من أنانية. وصاحب الأنا هو من يُحوّل قُطيعات مُبعثره في ماضي ليصنع خط وربط كان متناثر برواية الأنا. ولهذا الأنا والذاكرة بينهما توغل وشغف لأرشيف السيرة الذاتية.
وصاحب الأنا يلوح منه جانب صدء حين يكره أي قرين ينافس مكانته وطموح يبلغه. وهذا ميل وشعور ضامر فيه محبة إستفراد وطلوع يعلوا أخرين، وآفة قد تكون مُغلفة حسد يشتد ويضعف ويتفاعل في مخزون وراثي ومحيط إجتماعي. ولا غرو أن تجد في صاحب الأنا أنه مُبالغ في محاسنه مُتناسي مساؤه، ولا يفعل العكس مع منافسيه وأنداده.
حينما تتضخُّم الأنا، تفرز غرور على حساب الغير، قد يتخطى حدود إشباع ذات، وصاحبها مُتأرجح في توازنه الغرائزي حتى يصبح غير مقبول في المجتمع. وهذا إنحراف فيه سلوكيات وتصرفات غارقة بالذات، وممكن تُشخص مرض تعسفي غير واقعي يدفع إلى اللامعقول واللامسؤول.
التقوقع الأنوي الذي فيه شعور عظمة، هو داء تنبت معه وحوله زمرة متزلفين ومنافقين وأصحاب تزيين وتملق وتحذلق. يحفون صاحب الأنا ويدفعونه إلى مزالق لا تُدرك إلا بعد حصولها.
هنالك من تطاله صفة الأنا لمن كان له ماضي صغير مكانة ووجاهة، ولا يملك سابق ارث أو موروث سياده، ولا هو من حالمين ضمن سياق بزوغ المتوقع. ثم يعبر به الزمن فجاءة دونما تمرحل فيصبح وجيه وعظيم يزهو، فيقع بانتفاش الأنا، تُدخله في آفة عُجب وتعالي وهو لا يقبل تحاذي، بل ينطبع عنده نمط فهم أن غيره أدنى منه، فيتفرعن للتمكن، وهو يظهر بعض غيض من فيض قد ملئ باطنه حسد كاره، واهِم أنه مجيد وطوية تتمارد. كأن حاله بمثل هذا؛ برَزَ الثعلَبُ يوماً في شِعار الواعظينا فمشى في الأرضِ يهدي ويَسُبُّ الماكرينا مُخْطِئ من ظنَّ يوماً أنَ للثعلب دينا
يغيب عن صاحب الأنا أن المقادير للبشر مرسومة ومكتوبة، وسعي الإنسان من توكل وعمل هي صانعة أسباب تلك الاقدار، وإدراك أن سنة الحياة في توزيع الحُظُوظ هي إيمان واعتقاد، والقناعة عند الإنسان هي تلك التي تحمد ما أتاها من نِعم دونما نظر الى الغير حسدا وتحسرا.
وهناك الأنا الشاهقة التي لم تعرف الانصياع قط، وتحترف أقِدام وتغني بأمجاد ومبدأ. هي حيّة تتوارثها اجيال، يفخر بها أصحاب الهوية دونما فوقية وهم يملكون شعورا جامحا باستقلاليتهم، ويكرهون تسلط عليهم. عندهم أنفة وشجاعة وصبر على بأس كمثل قول؛ بارودكم بخشوم ربعي نشوگي، أي رائحة البارود كمُستنشق طِيبْ في الأنف.
وفي هذا مندوحة ذكر يُصرح الشاعر الشنفري في لاميته؛ وَإِنّي كَفانِي فَقدُ مَن لَيسَ جازِياً بِحُسنى وَلا في قُربٍه مُتَعَلَّلُ وفي هذا تأويل أنّ هناك ما كفاه وأغناه عن كلّ أولئك الذين لا يُجازون الحُسنى بالحسنى، ولا حتى هو ينال منهم التعلّل والأنس، وهذا فيه معنى يرتكز فيه الشاعر على لغة الأنا المتمثلة بضمائر المتكلم لإشعار المخاطب بقوته وبفعلية اكتفائه واستغنائه عن قومه، وبذلك فإنّه لا يلجأ للمنطق الحجاجي فقط وإنّما يستعين بالمنطق اللغوي الذي يدعم مقصوده. وهذه من الأنا التي تحافظ على القيم والأخلاق، وتترصف في إدراك وتفكير وحكمة وملاءمة عقلية. فالأنا الأعلى لا تبحث عن الغرائز والأفعال الشهوانية، بل تقوم بوظيفة الضمير الإنساني الذي يبحث عن الكمال بعيدا عن ملذاته.