الجدل الاقتصادي في شأن الذكاء الاصطناعي (5-5)

| عبيدلي العبيدلي

يمتاز الجدل حول الذكاء الاصطناعي بطابعه الديناميكي، إذ لا يتصل فقط بفعالية التقنية، بل يتقاطع مع قضايا توزيع الثروة، ومستقبل العمل، والمساواة الرقمية، والسيادة الاقتصادية. وقد بات من الملحّ، بشكل قاطع، التفكير فيه باعتباره قضية سياسية - اقتصادية - أخلاقية بامتياز، تتطلب تجاوز التقييمات التقنية البحتة نحو تحليلات عميقة للبنى الاقتصادية والاجتماعية. الأرقام والإحصاءات - قيمة سوق تعليم الذكاء الاصطناعي عالميًا بلغت 4 مليارات دولار في 2022، مع توقعات بنمو سنوي 10 % حتى 2030، لتصل إلى أكثر من 30 مليار دولار بحلول 2032. - يُظهر تقرير للبنك الدولي أن الذكاء الاصطناعي يمكنه «سد فجوة النقص في رأس المال البشري» في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم، وأن تعزيز المهارات الرقمية يُعد أولوية إستراتيجية لسياسات التنمية للدول النامية. - 70 % من الموظفين في القطاع التعليمي بالدول النامية أفادوا بأن مهاراتهم التقنية لا تواكب ما يحدث في القطاع الخاص، ما يشير للحاجة الملحة إلى برامج تدريبية متخصصة واسعة النطاق. شهادات وتجارب حية - توضح تقارير دولية أن هناك علاقة مباشرة بين الاستثمار في تطوير الكوادر البشرية والقدرة على استيعاب تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها في مجالات التعليم والصحة والزراعة. - تؤكد المبادرات الناجحة في الهند وكينيا ورواندا أن بناء القدرات البشرية التقنية يبدأ من التعليم الأساسي ويتكامل حتى التدريب المهني في مجالات متخصصة. وفيما يلي أهم التوجهات والنصائح المدعومة بأحدث الدراسات والتجارب الدولية: 1. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية - تطوير شبكات الإنترنت ذات النطاق العريض وتوفير الاتصال الرقمي الواسع أساس مهم لأي تحول قائم على الذكاء الاصطناعي. فغياب بنية تحتية رقمية قوية يمثل العقبة الأولى أمام توظيف الذكاء الاصطناعي بشكل فعال سواء في المدن أو المناطق الريفية. 2. تنمية رأس المال البشري وتطوير المهارات - الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب، مع التركيز على مهارات البرمجة، تحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات. - تحديث المناهج التعليمية في جميع المراحل، مع تعزيز تعليم STEM (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات) ودعم المبادرات المبتكرة لمحو الأمية الرقمية. 3. دعم الابتكار المحلي والنظم الريادية - تشجيع بيئة حاضنة للشركات الناشئة عبر الحوافز والدعم المالي والتقني، وتمكين رواد الأعمال المحليين من خلق حلول مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمشكلات محلية. (اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني) • إنشاء مراكز تقنية وحدائق علمية تركّز على البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي. 4. وضع أطر تنظيمية مرنة وأخلاقية • تطوير تشريعات واضحة تحمي خصوصية البيانات وتمنع سوء الاستخدام وتدعم الشفافية والأمان، دون كبح الابتكار. • المشاركة المجتمعية في نقاشات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وبناء ثقة المجتمعات في الأنظمة الذكية. 5. تطوير شراكات دولية وتمويل التعاون • بناء شراكات مع دول متقدمة ومؤسسات دولية لنقل المعرفة والتقنية، وتبادل الخبرات والتدريب. • تشجيع الاستثمارات الأجنبية في القطاعات التقنية، مع ضمان استفادة الاقتصاد والمجتمع المحلي من هذه الشراكات. 6. التركيز على تطبيقات تحقق قيمة اقتصادية واجتماعية مباشرة.  • تفعيل حلول الذكاء الاصطناعي في مجالات الزراعة (كالزراعة الدقيقة)، الصحة (التشخيص الذكي والخدمات المتنقلة)، والتعليم (منصات التعلم التكيفية)، والخدمات المالية (الشمول المالي وتحليل المخاطر)، لتعزيز فرص النمو السريع وتنوع الاقتصاد. 7. إدارة أخطار التحول وأثره الاجتماعي • الانتباه لمخاطر فقدان الوظائف التقليدية من خلال توفير سياسات لإعادة التأهيل المهني ودعم انتقال القوى العاملة نحو وظائف جديدة تتطلب مهارات رقمية أعلى. • ضمان توزيع ثمار النمو بشكل عادل للحد من الفجوة الرقمية والاجتماعية. أهمية تطوير رأس المال البشري في الذكاء الاصطناعي الاستثمار في تعليم وتدريب الأفراد، خصوصاً في مجالات البرمجة وتحليل البيانات واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، هو حجر الأساس لأي اقتصاد حديث يسعى لتحقيق طفرة في الإنتاجية وجودة الحياة، ويمكن أن يقلل من الفجوة الرقمية بين الدول النامية والمتقدمة.. خلاصة يبدأ نجاح الدول النامية في بناء اقتصاد متنوع وراسخ معتمد على الذكاء الاصطناعي من تطوير الإنسان نفسه: التعليم، التدريب، وتوفير بيئة تحفز على الإبداع والابتكار الرقمي. ومن دون الاستثمار الجاد في رأس المال البشري، تبقى الفجوة الرقمية قائمة حتى مع وجود بعض مشاريع الذكاء الاصطناعي النموذجية، ما يعوق التنمية الشاملة والمستدامة. ويُعد الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية لتسريع التنمية في الدول النامية، بشرط وجود رؤية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي تجمع بين تطوير المهارات، البنية التحتية، الإطار التشريعي، تشجيع الابتكار، الشراكات الدولية، والتركيز على الحلول الملائمة للاحتياجات المحلية. هذا المسار من شأنه أن يمكّن الدول النامية من التحول من الاعتماد على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد رقمي متنوع ومستدام. وكي تتمكن الدول النامية من بناء اقتصاد راسخ وناجح يرتكز على مفصليات الذكاء الاصطناعي، هناك مجموعة من التوصيات العملية والاستراتيجيات التي ينبغي اتباعها، مع الأخذ في الحسبان التحديات الهيكلية والفرص الواعدة لهذا المجال.  في ضوء هذه النتائج، تصبح مهمة صانعي القرار مضاعفة: فهم مطالبون ليس فقط بتوظيف الذكاء الاصطناعي من أجل رفع كفاءة اقتصاداتهم، بل أيضًا بتشكيل مستقبل إنساني عادل في ظل هذا التحول التكنولوجي العميق. إن الذكاء الاصطناعي لن يكتب مستقبل الاقتصاد وحده؛ بل ما يزال للإنسان الكلمة الأولى والأخيرة في كيفية توجيه هذا المستقبل.

‭* ‬خبير‭ ‬إعلامي