“اللاشيء”!

| د. سمر الأبيوكي

باغتتني إحداهما قائلة “هل تجيدين فعل اللاشيء”؟ استغربت تماما وتراءت لي أهمية كبرى لهذا المصطلح، وأصغيت لها فحدثتني عن ثقافة بعض الشعوب وإتقانهم فعل “اللاشيء” في كثير من الأيام، حيث تعد هذه الثقافة رائجة لتقليل مستويات الكورتيزول المتمثلة في القلق والحصول أيضا على مستويات عالية من الطاقة والهدوء النفسي، وبدى لي الموضوع غريبا للوهلة الأولى، فكيف لي ولآخرين مثلي أن يفعلوا اللاشيء ونحن بالكاد نستطيع القيام بعدد قليل من المهمات التي سجلناها في قائمة (to do ) اليومية في هاتفنا النقال! واستغرقت وذهني شارد في طرح الكثير من الأسئلة على نفسي وهل فعلا أستطيع أن أقضي نهارا واحدا دون فعل أي شيء يذكر، وقد بدى لي أثناء تفكيري أن الأمر يبدو خياليا وغير معقول، ثم قررت أن أخوض التجربة لأرى كيف يمضي نهار واحد لا أفعل فيه شيئا.. نهار كسول لا يوجد به شيء سوى الكثير من الكسل، ولم أعد نفسي أن أطيل التجربة، فقد كنت على استحياء كبير أفكر حتى في تجربة يوم كامل دون فعل أي شيء! فتحت عيناي مبكرا لكنني قررت أن أعاود النوم فلا حاجة للاستيقاظ باكرا لأنني اخترت أن أفعل اللاشيء، بدأت يومي بعد أن شبعت من النوم لأول مرة في حياتي متجاهلة الاتصالات وقائمة الأعمال، وسهل الأمر علي كوني أساسا في عطلة، شربت قهوتي “على رواق”، قلبت قليلا في الهاتف واستقبلت استيقاظ أطفالي بابتسامة دون عناء أو جهد لا لشيء سوى أنني قررت ذلك! كنت أحمل كوب قهوتي الذي ظل مرافقا لي أكثر من ساعة، تأملت وجهي في المرآة وأنا أشعر بالراحة متجاهلة الكثير من الاتصالات والرسائل وغيرها وانقضى نهاري سريعا كوني كنت قد استيقظت ظهرا، وما هي إلا ساعات معدودة وغربت الشمس، لقد ذقت حرفيا معنى أن لا أفعل شيئا.  شعور الخفة والسعادة والبعد عن المسؤولية ولو لساعة، كم هو شعور جميل نتجاهله وسط قائمة لا محدودة من المسؤوليات التي أثقلنا بها كاهلنا، ومن ذلك الحين وأنا أحاول أن أتقن فن (اللاشيء) ولو لساعات معدودة كل أسبوع. 

 

‭*‬كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بحرينية‭ ‬