بوابة الأفق في قلب لاوس

| عبدالله بوقس

في‭ ‬قلب‭ ‬اليابسة،‭ ‬حيث‭ ‬تنكمش‭ ‬البحار‭ ‬وتتوارى‭ ‬السواحل،‭ ‬تنهض‭ ‬لاوس‭ ‬أو‭ ‬جمهورية‭ ‬لاو‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الشعبية،‭ ‬تلك‭ ‬الدولة‭ ‬المنسية‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬حدود‭ ‬الصين‭ ‬وتايلاند‭ ‬وفيتنام،‭ ‬لتقدم‭ ‬نفسها‭ ‬لا‭ ‬كصورة‭ ‬باهتة‭ ‬في‭ ‬أطلس‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬كفرصة‭ ‬استثمارية‭ ‬حية،‭ ‬تنبض‭ ‬بالطاقة‭ ‬واللوجستيات‭ ‬والزراعة‭ ‬المستدامة‭. ‬دولة‭ ‬بلا‭ ‬سواحل،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬بلا‭ ‬آفاق‭.‬

حقق‭ ‬اقتصاد‭ ‬لاوس‭ ‬نموًا‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭.‬1‭ ‬٪‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬بدفع‭ ‬من‭ ‬قطاعات‭ ‬الخدمات،‭ ‬التعدين،‭ ‬الزراعة،‭ ‬وصادرات‭ ‬الكهرباء‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬15‭.‬35‭ ‬٪‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الصادرات،‭ ‬وفق‭ ‬تقرير‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬وبيانات‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬لاوس‭. ‬وتواصل‭ ‬البلاد،‭ ‬الملقبة‭ ‬بـ‭ ‬“بطارية‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا”،‭ ‬تصدير‭ ‬الكهرباء‭ ‬إلى‭ ‬تايلاند،‭ ‬وفيتنام،‭ ‬وكمبوديا،‭ ‬والصين‭ ‬رغم‭ ‬أزمة‭ ‬الديون‭.‬

لكن‭ ‬القصة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬الكهرباء،‭ ‬فسكة‭ ‬حديد‭ ‬لاوس–الصين،‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬1‭,‬035‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬والتي‭ ‬بدأ‭ ‬تشغيلها‭ ‬نهاية‭ ‬2021‭ ‬بتمويل‭ ‬صيني‭ ‬قدره‭ ‬5‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬خط‭ ‬نقل،‭ ‬بل‭ ‬شريان‭ ‬حياة‭ ‬اقتصادي‭ ‬يحوّل‭ ‬لاوس‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬لوجستية‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬موانئ‭ ‬تايلاند‭ ‬وأسواق‭ ‬الصين‭.‬

تقرير‭ ‬البنك‭ ‬الآسيوي‭ ‬للتنمية‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬المناطق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬لاوس‭ ‬تمنح‭ ‬المستثمرين‭ ‬حوافز‭ ‬كبيرة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬إعفاء‭ ‬ضريبي‭ ‬قد‭ ‬يمتد‭ ‬حتى‭ ‬10‭ ‬سنوات،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إعفاءات‭ ‬جمركية‭ ‬وضريبية‭ ‬أخرى‭. ‬وبعد‭ ‬انتهاء‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬يعود‭ ‬المستثمر‭ ‬إلى‭ ‬معدل‭ ‬ضريبة‭ ‬الشركات‭ ‬القياسي‭ ‬البالغ‭ ‬20‭ ‬٪‭. ‬هذا‭ ‬التدرج‭ -‬من‭ ‬إعفاء‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬إلى‭ ‬معدل‭ ‬ثابت‭- ‬يوفّر‭ ‬مرونة‭ ‬ضريبية‭ ‬تجعل‭ ‬بيئة‭ ‬الاستثمار‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬للمستثمرين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬تقليل‭ ‬الكلفة‭ ‬التشغيلية‭. ‬

في‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي،‭ ‬تُعد‭ ‬لاوس‭ ‬وجهة‭ ‬جذابة‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬العضوية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الأرز،‭ ‬البن،‭ ‬الكاجو‭ ‬والمطاط،‭ ‬مع‭ ‬تكلفة‭ ‬تملك‭ ‬الأراضي‭ ‬أو‭ ‬استئجارها‭ ‬أقل‭ ‬بنحو‭ ‬50‭ ‬٪‭ ‬مقارنة‭ ‬بجارتها‭ ‬فيتنام‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الأغذية‭ ‬النظيفة،‭ ‬تبرز‭ ‬هنا‭ ‬فرصة‭ ‬استثمارية‭ ‬واعدة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭.‬

لكن،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قصة‭ ‬اقتصادية‭ ‬صاعدة،‭ ‬هناك‭ ‬ظلال‭ ‬توازي‭ ‬الأضواء؛‭ ‬إذ‭ ‬تعاني‭ ‬لاوس‭ ‬من‭ ‬عبء‭ ‬ديون‭ ‬خارجية‭ ‬تُقدّر‭ ‬بـ14‭.‬5‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصفها‭ ‬للصين‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يرى‭ ‬خبراء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ (‬فيتش‭) ‬أن‭ ‬استراتيجية‭ ‬لاوس‭ ‬للتموضع‭ ‬كمركز‭ ‬عبور‭ ‬إقليمي‭ ‬تفتح‭ ‬تدفقات‭ ‬إيرادات‭ ‬مستدامة‭.‬

بوابة‭ ‬الأفق‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬لاوس‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬استعارة،‭ ‬بل‭ ‬توصيف‭ ‬دقيق‭ ‬لدولة‭ ‬تحوّل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬من‭ ‬قيد‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الحبيس‭ ‬وسط‭ ‬آسيا‭ ‬البرية،‭ ‬تتكشف‭ ‬معادلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬مختلفة؛‭ ‬حيث‭ ‬تخرج‭ ‬لاوس‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬الخرائط‭ ‬لتصبح‭ ‬عقدة‭ ‬عبور‭ ‬إقليمي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬والطاقة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭.‬‭ ‬

ومع‭ ‬تسارع‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬والممرات‭ ‬البديلة،‭ ‬تنهض‭ ‬هذه‭ ‬البوابة‭ ‬الصامتة‭ ‬كنافذة‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬مستقبل‭ ‬التجارة‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭. ‬هنا،‭ ‬للمستثمر‭ ‬الخليجي،‭ ‬تظهر‭ ‬فرصة‭ ‬لفهم‭ ‬كيف‭ ‬تتحول‭ ‬الحدود‭ ‬إلى‭ ‬ممرات،‭ ‬وكيف‭ ‬يصنع‭ ‬الهامش‭ ‬مركزًا‭ ‬جديدًا‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬النمو‭.‬

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور