أنا محمد!

| د. جاسم المحاري

تُكنّ‭ ‬كُرهًا‭ ‬وبغضًا‭ ‬للنبي‭ (‬ص‭) ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تعرفه‭ ‬أو‭ ‬تره،‭ ‬وفي‭ ‬يوم‭ ‬ذهبت‭ ‬هذه‭ ‬العجوز‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬مكة‭ ‬تتبضع‭ ‬حتى‭ ‬كثرت‭ ‬مشترياتها،‭ ‬فطلبت‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬مساعدتها،‭ ‬ولكنّهم‭ ‬رفضوا‭ ‬جميعًا‭ ‬حتى‭ ‬جاءها‭ ‬من‭ ‬تكرهه‭ ‬وتبغضه،‭ ‬وسألها‭ ‬إنْ‭ ‬كانت‭ ‬تريد‭ ‬مساعدة،‭ ‬فقالت‭: ‬أنا‭ ‬عجوز‭ ‬ولا‭ ‬طاقة‭ ‬لي‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬ما‭ ‬تبضّعت‭ ‬به‭ ‬بمفردي،‭ ‬فحمل‭ ‬صلوات‭ ‬ربي‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‭ ‬جميع‭ ‬ما‭ ‬اشترت‭ ‬وأوصله‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬دارها‭. ‬وعند‭ ‬باب‭ ‬الدار،‭ ‬قالت‭: ‬يا‭ ‬بنيّ‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬لأعطيك‭ ‬أجرك‭. ‬ولكن‭ ‬اسمع‭ ‬نصيحتي‭ ‬الغالية،‭ ‬هناك‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬أطراف‭ ‬مكة‭ ‬يُدعى‭ ‬“محمد”‭ ‬يقول‭ ‬إنّه‭ ‬نبيٌ،‭ ‬فلا‭ ‬تُصدّقه‭ ‬فهو‭ ‬كاذبٌ‭ ‬وساحر‭. ‬فقال‭ ‬لها‭ (‬ص‭): ‬ما‭ ‬بالكِ‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬أنا‭ ‬هو‭ ‬محمد‭. ‬فأنطقها‭ ‬القادر‭ ‬الجبّار‭ ‬بالشهادتين‭!‬

ذلك‭ ‬هو‭ ‬نبيّ‭ ‬الرحمة‭ (‬ص‭) ‬الذي‭ ‬أسعد‭ ‬البشرية‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬خطّ‭ ‬بعظيم‭ ‬خُلُقِه‭ ‬وأنار‭ ‬بعظيم‭ ‬هديه‭ ‬مكامن‭ ‬شؤون‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬اليومية،‭ ‬ابتداءً‭ ‬من‭ ‬الأقربين‭ ‬والأصدقاء‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬الغرباء‭ ‬والأعداء‭. ‬كيف‭ ‬لا؟‭ ‬وهو‭ ‬مَنْ‭ ‬كان‭ ‬خُلُقه‭ ‬مفتاح‭ ‬عظمته‭ ‬التي‭ ‬بنى‭ ‬على‭ ‬أساسها‭ ‬مجتمعًا‭ ‬متماسكًا‭ ‬منسجمًا،‭ ‬فيما‭ ‬كان‭ ‬سرّ‭ ‬شخصه‭ ‬أخلاق‭ ‬القرآن‭ ‬الذي‭ ‬ربط‭ ‬حياة‭ ‬المؤمنين‭ ‬بربهم‭ ‬العظيم‭ ‬واعتصامهم‭ ‬بصالح‭ ‬العمل‭ ‬وسمو‭ ‬الروح‭ ‬وطهارة‭ ‬النفس‭ ‬التي‭ ‬تتدفق‭ ‬بالأخلاق‭ ‬السامية‭ ‬والفضائل‭ ‬الحسنة‭ ‬والعواطف‭ ‬الرشيدة‭ ‬والنوازع‭ ‬القويمة‭ ‬التي‭ ‬تنفع‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬دنياهم‭ ‬وآخرتهم‭ ‬بالخير‭ ‬الكثير‭ ‬والنعم‭ ‬الجليلة‭ ‬والإحسان‭ ‬الوفير‭ ‬بين‭ ‬جنبات‭ ‬سيرة‭ ‬عطرة‭ ‬بمحامد‭ ‬الأفعال‭ ‬وجلائل‭ ‬الأعمال‭ ‬وأزكى‭ ‬التعاليم‭.

نافلة‭:‬

هي‭ ‬عادة‭ ‬قديمة،‭ ‬حين‭ ‬يطلب‭ ‬المكيّون‭ - ‬أهل‭ ‬مكة‭ - ‬لأبنائهم‭ ‬مراضع‭ ‬ومربيات‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البادية،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬عينه‭ ‬الذي‭ ‬عمل‭ ‬به‭ ‬عبدالمطّلب‭ ‬العدناني‭ ‬الذي‭ ‬تكفّل‭ ‬بحفيده‭ ‬محمد‭ (‬ص‭) ‬بعد‭ ‬ولادته‭ ‬المباركة‭ ‬في‭ ‬ربيع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬الفيل‭ (‬570‭ ‬م‭) ‬بُعيد‭ ‬وفاة‭ ‬أبيه،‭ ‬بأنْ‭ ‬كلّف‭ ‬السيدة‭ ‬حليمة‭ ‬السعدية‭ ‬التي‭ ‬أدرجت‭ ‬نبينا‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬قبيلتها‭ ‬“بني‭ ‬سعد”‭ ‬حتى‭ ‬بلوغه‭ ‬السادسة،‭ ‬ورافق‭ ‬بعدئذٍ‭ ‬أمّه‭ ‬آمنة‭ ‬الكلابية‭ ‬يثرب‭ ‬إلى‭ ‬أنْ‭ ‬تُوفيّت‭ (‬ر‭) ‬في‭ ‬“الأبواء”‭ ‬بعد‭ ‬مسير‭ ‬عودتهما‭ ‬مكة‭ ‬التي‭ ‬واجه‭ ‬فيها‭ ‬بمعية‭ ‬أصحابه‭ ‬من‭ ‬المهاجرين‭ ‬والأنصار‭ - ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الأربعين‭ ‬من‭ ‬عمره‭ - ‬صراعًا‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬الجاهلي‭ ‬المُلتهي‭ ‬بعبادة‭ ‬الأصنام‭ ‬حتى‭ ‬لقي‭ ‬رّبه‭ ‬الجليل‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الاثنين‭ ‬سنة‭ ‬11‭ ‬هـ‭ ‬بالمدينة‭ ‬المنورة‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬أسسّ‭ ‬أنموذج‭ ‬مجتمع‭ ‬توحيدي‭ ‬انتشر‭ ‬في‭ ‬الأرجاء‭. ‬

اللهمّ‭ ‬فاجعل‭ ‬صلواتك‭ ‬وصلوات‭ ‬ملائكتك‭ ‬المقرّبين‭ ‬وعبادك‭ ‬الصالحين‭ ‬وأنبيائك‭ ‬المرسلين‭ ‬وأهل‭ ‬السماوات‭ ‬والأرضين‭ ‬على‭ ‬محمد‭ ‬عبدك‭ ‬ورسولك‭ ‬ونبيك‭ ‬وأمينك‭ ‬ونجيبك‭ ‬وحبيبك‭ ‬وصفّيك‭ ‬وخاصّتك‭ ‬وصفوتك‭ ‬وخيرتك‭ ‬من‭ ‬خلقك‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني