أبطال الأرصفة

| إبراهيم النهام

في‭ ‬زوايا‭ ‬الأرصفة،‭ ‬وعلى‭ ‬أطراف‭ ‬الشوارع،‭ ‬وبالقرب‭ ‬من‭ ‬السواحل،‭ ‬يعمل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬البائعين‭ ‬البحرينيين‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬المنتجة‭ ‬أو‭ ‬أصحاب‭ ‬“البسطات”،‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬بسيطة‭ ‬لكن‭ ‬بروح‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬الاجتهاد‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأفراد‭ ‬يمثلون‭ ‬نموذجًا‭ ‬مشرفًا‭ ‬في‭ ‬السعي‭ ‬وراء‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬بالحلال،‭ ‬ويستحقون‭ ‬كل‭ ‬دعم‭ ‬وتقدير‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭. ‬وعلى‭ ‬رغم‭ ‬تواضع‭ ‬الإمكانات،‭ ‬فإنهم‭ ‬يقدمون‭ ‬منتجات‭ ‬محلية‭ ‬تعكس‭ ‬تراث‭ ‬البحرين‭ ‬وثقافتها،‭ ‬ويساهمون‭ ‬في‭ ‬تحريك‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المجتمعي‭ ‬بشكل‭ ‬فعّال‭. ‬دعمهم‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬تعزيز‭ ‬لقيم‭ ‬العمل‭ ‬والمثابرة،‭ ‬وتشجيع‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬على‭ ‬فرشة‭ ‬البيع‭ ‬حتى‭ ‬ساعات‭ ‬متأخرة‭ ‬من‭ ‬الليل،‭ ‬لا‭ ‬يملّ‭ ‬ولا‭ ‬يشتكي،‭ ‬بل‭ ‬يستقبل‭ ‬الزبائن‭ ‬بابتسامة‭ ‬وكلمة‭ ‬صادقة‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬القلب‭: ‬“أغناك‭ ‬الله”،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬تختصر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الكرامة‭ ‬والرضا،‭ ‬وتعبّر‭ ‬عن‭ ‬أخلاق‭ ‬البائع‭ ‬البحريني‭ ‬الذي‭ ‬يقدّر‭ ‬الزبون،‭ ‬ويؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الرزق‭ ‬بيد‭ ‬الله‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هؤلاء‭ ‬البائعين،‭ ‬خصوصًا‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬المنتجة،‭ ‬هو‭ ‬جودة‭ ‬منتجاتهم،‭ ‬خصوصا‭ ‬المأكولات‭ ‬التي‭ ‬تفوق‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬في‭ ‬المحال‭ ‬التجارية‭. ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬لي‭ ‬شخصيًا‭ ‬أن‭ ‬تذوقت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المأكولات،‭ ‬وأُعجبت‭ ‬كثيرًا‭ ‬بإتقانها،‭ ‬ونظافتها،‭ ‬ومعقولية‭ ‬أسعارها؛‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬حرصهم‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬الأفضل‭ ‬بكل‭ ‬أمانة‭ ‬وإخلاص‭.‬

هؤلاء‭ ‬لا‭ ‬يطلبون‭ ‬الكثير،‭ ‬فقط‭ ‬مساحة‭ ‬آمنة‭ ‬يمارسون‭ ‬فيها‭ ‬نشاطهم،‭ ‬ودعمًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬يضمن‭ ‬لهم‭ ‬الاستمرار‭ ‬والاستقرار‭. ‬فهم‭ ‬يسهمون‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬ذاتية،‭ ‬ويحققون‭ ‬الاكتفاء‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭ ‬كمصدر‭ ‬دخل‭ ‬رئيس‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المتزايدة،‭ ‬يظل‭ ‬البائع‭ ‬البحريني‭ ‬نموذجًا‭ ‬للأصالة‭ ‬والكرامة،‭ ‬وتبقى‭ ‬“بسطته”‭ ‬عنوانًا‭ ‬للعمل‭ ‬الشريف،‭ ‬وقصته‭ ‬درسًا‭ ‬في‭ ‬الصبر‭ ‬والعزيمة‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني