المرسوم الملكي وتشديد العقوبات المرورية

| زهير توفيقي

لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬المرسوم‭ ‬الملكي‭ ‬بقانون‭ ‬رقم‭ (‬30‭) ‬لسنة‭ ‬2025‭ ‬عن‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬بتعديل‭ ‬بعض‭ ‬أحكام‭ ‬قانون‭ ‬المرور‭ ‬يمثل‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬المرورية،‭ ‬ويأتي‭ ‬استجابة‭ ‬لحاجة‭ ‬مجتمعية‭ ‬ماسة،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬ليشدد‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المخالفات‭ ‬الجسيمة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬تجاوز‭ ‬السرعة‭ ‬المقررة‭ ‬وكسر‭ ‬الإشارات‭ ‬الضوئية،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬التصرفات‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬الأرواح‭ ‬والممتلكات‭ ‬وتعرّض‭ ‬مستخدمي‭ ‬الطريق‭ ‬لمخاطر‭ ‬جسيمة‭. ‬هذا‭ ‬المرسوم‭ ‬يُمثل‭ ‬خطوة‭ ‬رائدة‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬المجتمع‭ ‬بأسره،‭ ‬فهو‭ ‬يبعث‭ ‬رسالة‭ ‬واضحة‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬وسلامتهم‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬اعتبار،‭ ‬وأن‭ ‬الاستهتار‭ ‬على‭ ‬الطريق‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬مقبولا‭ ‬بعد‭ ‬اليوم‭.‬

لقد‭ ‬نوهت‭ ‬في‭ ‬مقالات‭ ‬سابقة‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬لتغليظ‭ ‬العقوبات،‭ ‬خصوصا‭ ‬بعد‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الرسمية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬أعداد‭ ‬مؤسفة‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬المرورية‭ ‬وما‭ ‬نتج‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬وفيات‭ ‬وإصابات‭ ‬وخسائر‭ ‬مادية‭ ‬ومعنوية‭. ‬واليوم،‭ ‬ونحن‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬التعديل‭ ‬القانوني‭ ‬المهم،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬المطالبات‭ ‬السابقة‭ ‬تلاقت‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬حكيمة‭ ‬وضعت‭ ‬نصب‭ ‬عينها‭ ‬حماية‭ ‬المواطن‭ ‬والمقيم،‭ ‬وتعزيز‭ ‬السلامة‭ ‬العامة‭.‬

إن‭ ‬التوعية‭ ‬السلوكية‭ ‬ركيزة‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها،‭ ‬والشريك‭ ‬الحقيقي‭ ‬لأي‭ ‬نص‭ ‬قانوني،‭ ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬المنبر‭ ‬الأوسع‭ ‬انتشارًا‭ ‬والأكثر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬سلوكيات‭ ‬الأفراد،‭ ‬خصوصًا‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭. ‬إن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية‭ ‬مبتكرة‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬ثقافة‭ ‬احترام‭ ‬القانون،‭ ‬ويرسخ‭ ‬الوعي‭ ‬بخطورة‭ ‬المخالفات،‭ ‬ويوجه‭ ‬السلوك‭ ‬نحو‭ ‬القيادة‭ ‬الآمنة‭. ‬وبسبب‭ ‬وجود‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬المقيمين‭ ‬فمن‭ ‬المفيد‭ ‬جدا‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬سفاراتهم‭ ‬في‭ ‬المملكة‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬وتوضيح‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬لحماية‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين.

في‭ ‬المقابل،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬غرس‭ ‬القيم‭ ‬المرورية‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الأبناء‭ ‬منذ‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة؛‭ ‬فالتربية‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬القانون،‭ ‬وحسن‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬والانضباط‭ ‬والالتزام‭ ‬بالأنظمة،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬دروس‭ ‬نظرية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬أسس‭ ‬تبني‭ ‬شخصية‭ ‬سوية‭ ‬مسؤولة‭. ‬والمدرسة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الأسرة،‭ ‬تتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬تكوين‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬المبكر‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬أبناءنا‭ ‬مستقبلا‭ ‬من‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التهور‭ ‬واللامبالاة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬لمؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والجمعيات‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬والثقافة،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬السلوك‭ ‬المروري‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السلوكيات‭ ‬الخاطئة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مناحي‭ ‬الحياة‭. ‬ودعوني‭ ‬أقولها‭ ‬وبكل‭ ‬صراحة‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الجمعيات‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬المشهد‭ ‬وليس‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬دور،‭ ‬ويبقى‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬طرحناه‭ ‬للمرة‭ ‬المئة‭.. ‬لماذا‭ ‬أصلا‭ ‬هي‭ ‬قائمة؟‭! ‬ألا‭ ‬تعتقدون‭ ‬أنه‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬قوانين‭ ‬وأنظمة‭ ‬الجمعيات‭ ‬الخيرية‭ ‬والأهلية‭ ‬والمهنية؟

إن‭ ‬المرسوم‭ ‬الملكي‭ ‬بتشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬المرورية‭ ‬يمثل‭ ‬رسالة‭ ‬حازمة،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬تكامل‭ ‬التشريع‭ ‬مع‭ ‬التوعية،‭ ‬وتضافر‭ ‬القانون‭ ‬مع‭ ‬التربية‭. ‬بهذا‭ ‬النهج‭ ‬المتكامل‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نخطو‭ ‬خطوات‭ ‬جادة‭ ‬نحو‭ ‬طرق‭ ‬أكثر‭ ‬أمنًا،‭ ‬ومجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬التزامًا،‭ ‬وأرواح‭ ‬أكثر‭ ‬حفظًا‭.‬

متمنيًا‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬استعادة‭ ‬سمعة‭ ‬الحركة‭ ‬المرورية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يضرب‭ ‬بها‭ ‬المثل‭.‬

ربي‭ ‬احفظ‭ ‬الجميع‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬سوء‭ ‬ومكروه،‭ ‬وليكن‭ ‬شعارنا‭ ‬“من‭ ‬يخالف‭.. ‬يخالف”‭. ‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني