بين ذكراه وبيني
| أسامة مهران
ما بين ذكراه وبيني، تقف الأحداث شاهدة، والأيام زاهدة، سنوية الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف تحاصر أحبته في كل مكان، ومريديه من كل حدبٍ وصوب، بعث إليّ الزميل والصديق الحبيب الصحافي والأديب كمال الذيب فيديو يحمل صوت وهيبة “سعدي”، وهو يتجول منشدًا في أحد بلدان المهجر بقصيدة يتحدث فيها عن آلام الغربة، وعن أسطورة المنفى، لم يكن حديثه دامعًا حيث تطوف الأوز من حوله وكأنها تحج معه إلى قصائده، وتنبت الأشجار أمامه، ومن خلفه النهر العظيم وهو يتدفق بالذكريات من بعيد، ها هي بغداد عندما كنا في شرخ الصبا متفائلين، ومن نِعَم الحياة محصنين، ومن وفادة الأهل والأصدقاء مطمئنين. كيف كنا، وما كنا لنكون، هكذا لبيت نداء صديقي الوسيط، ففتحت الفيديو بعد أن نبهني بأنه لسعدي يوسف، استيقظت من سباتي العميق، من غفوتي التي طالت ولا أعلم إلى أين، فإذا بي أسمع سعدي وهو يتحدث عن المصيبة، المصيبة بأنك راحل لا محالة، وأنك زائل لا شك، ثلاثة أرباع قرن ومازلت تدفع ضريبة أنك ولدت بتلك البلاد، المصيبة أنك تعرف أوزارها وتحملها على كتفك، وتحدثها عن أحلامك، وتواجه بها أعداءك وحُسّادك، ليس ذنبك أن تولد في تلك البلاد، لم تعد بالفعل ككل البلاد. سعدي الذي قرأته في شرخ الشباب، والذي رأيته على عجل عندما نضجت في أرحامنا أجنة القصيدة، فقط كنا نحاول أن نلتقي، أن نتعرف على بعضنا وفي حقيبة كل منا هدير نهر، ورذاذ شلال، هو مع دجلة والفرات، وأنا مع النيل البعيد، هو مع نخيله الوافر العظيم، وأنا مع طمي النهر العتيق على ضفاف الصعيد البعيد. حين يخاطب دجلة، كنت في ذات اللحظة وبنفس الشوق أتمشى في عصاري القاهرة على إحدى الضفتين وأمامي البرج وخلفي المقطم الرهيب، عن المال والبنون أتحدث، وعن الشرق الحنون أتجه، فكلانا لم تخذله الظنون لكنها هزمته في عقر داره قبل أن تتدلى رقبته فوق رفاته بقليل، وبعد أن صفقت له الجماهير وهو مسجى فوق قنديل يداوي كل الجراح، ويكتوي بالهمس واللمس والنواح، فهاجر الجميع معنا، منذ السياب والبياتي ونازك، بينما يرفض عبدالصبور وحجازي ودنقل، مختارين الوطن الأم ليحلموا فيه وينعموا به ويدفنوا في ريعان روابيه، هكذا اخترنا أنا وأنت، ولم يخترنا البعض منهم. كتبت عنك في أربعين وفاتك ونشرت في أهرامنا المصرية ثرثرة في وداع سعدي، لكنك لم تقرأها، فقط تلقفها أصدقاؤك، يعاتبونني على إيماني بك، على رفقتي لدواوينك منذ الصبا وحتى الوداع، منذ الرضا وحد الضياع، كتبت لأهجو من كانوا يهجونك بلا رحمة، ومن كانوا يتجرأون عليك وأنت في غُسلك الأخير، قلت لهم ما في الخمر، وردوا بأسوأ ما سمعت، سامحتهم وكأني لا أعرفهم، وأدركتهم قبل أن يدركوني، أو ينعتوني، أو يتهموني برفقة الشيطان، فما أنا بقارئ ولا أنا بقائل. من محاسن الصدف كان كل هذا، أو من بشاعة المنقلب ظللت أردد في غفوتي: لماذا، وأي لماذا؟.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية