قبل سقوط العرش الأخضر

| علي البستكي

الرأي الخاص، لم يكن الدولار الأميركي مجرد ورقة نقدية تتداولها الأسواق، بل ظل لعقود طويلة رمزًا مطلقًا للثقة الاقتصادية والسياسية، وحتى السياحية. وهو العملة التي تُقاس بها قيمة السلع والديون والاحتياطيات حول العالم. لكن في الأعوام الأخيرة، بدأت الأسئلة تتصاعد، ولم تعد مجرد همسات في أروقة البنوك المركزية: هل بدأ الدولار يفقد هيمنته؟ وهل بات العالم يبحث فعلا عن بدائل أكثر أمانًا أو استقلالًا؟ الضغوط الجيوسياسية، التراكم الهائل للديون الأميركية، وتآكل الثقة في السياسة النقدية، كلها عوامل بدأت تضع “الأخضر” في مواجهة واقع جديد. ومع صعود قوى اقتصادية منافسة، وتنامي الدعوات لفك الارتباط بالدولار في التجارة العالمية، تبدو الأرضية التي طالما وقف عليها الدولار أقل صلابة. لكن السؤال الأخطر: إذا كان الدولار يترنح.. فمن يملك القدرة أو الجرأة لإنقاذه؟ وهل نحن على أعتاب نظام مالي عالمي جديد يُولد من رحم الانقسام والشكوك؟ أولًا: هل كل ما يحدث في السنوات الخمس الأخيرة كان متعمدًا لدعم الدولار؟ يمكن اعتبار بعض الأحداث بمثابة “أدوات” غير مباشرة لإعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم استمرار هيمنة الدولار، ومن أبرزها: جائحة كورونا: أعادت أميركا رسم خريطة سلاسل التوريد العالمية، ودفعت بالدول للعودة نحو الدولار كمصدر أمان. الحرب في أوكرانيا: أدت إلى هروب رؤوس الأموال إلى “الملاذ الآمن” (الدولار) وزادت من الطلب عليه. أزمات الطاقة والتضخم: دفعت البنوك المركزية نحو التشديد النقدي؛ ما أعطى الدولار قوة نسبية عبر رفع أسعار الفائدة.  توترات آسيا (الصين - تايوان): جزء من الصراع على من سيقود النظام النقدي القادم. التوترات الجيوسياسية: أعادت ترتيب الأولويات الاقتصادية عالميًا بطريقة أعادت القوة المؤقتة للدولار. ثانيًا: دعائم الدولار التقليدية فك الارتباط بالذهب (1971): أنهى الالتزام الصارم بالقيمة المادية، واستُبدل بما يسمى “الثقة بالنظام”. نظام البترودولار: ضمنت واشنطن بقاء الطلب على الدولار عاليًا، من خلال دعم عسكري وسياسي لدول النفط، مقابل تسعير النفط بالدولار فقط. الهيمنة المالية الأميركية: قوة “وول ستريت”، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، كلها أدوات تدعم النظام القائم. ثالثًا: لماذا أصبح الدولار مهددًا أكثر من أي وقت مضى؟ الديون الأميركية تتجاوز 36 تريليون دولار: خدمة الدين وحدها تلتهم أكثر من تريليون دولار سنويًا. العجز التجاري المستمر: الولايات المتحدة تستهلك أكثر مما تُنتج. صعود العملات البديلة (مثل اليوان والروبل): خاصة مع الدفع نحو تجارة الطاقة خارج نظام الدولار. بُنى تحتية ونماذج اقتصادية منافسة: دول مثل الهند والصين بدأت فعليًا بالتحرر من تبعية الدولار. فما هي خيارات أميركا القادمة لإنقاذ الدولار؟ إعادة النظر في الأولويات الاقتصادية: خطوات تُعيد العالم نحو الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا، مثل تعزيز التحالفات المالية ومشاريع الربط بين الأسواق (الهند - الشرق الأوسط - أوروبا).

شراكات في الطاقة والتكنولوجيا: تفرض وجود الدولار كوسيط مالي. رقمنة الدولار: إطلاق الدولار الرقمي لتحصينه أمام تهديد العملات الرقمية الأجنبية أو المستقلة. فرض رقابة ذكية على التحويلات والتمويلات الدولية.

احتواء المنافسين: ضغوط على الصين اقتصاديًا وتجاريًا لمنع هيمنة اليوان. تقويض تحالف “بريكس+” عبر تحالفات مضادة مثل مجموعة السبع. إعادة هندسة الصناعات الحيوية داخل أميركا: إعادة الصناعات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات. خفض الاعتماد على آسيا وسلاسل التوريد الخارجية. دبلوماسية الدولار الهادئة: تقديم مزايا مالية ومصرفية للدول التي تستمر باستخدام الدولار. دعم الأسواق الناشئة “بالدولار” كأداة لربطها اقتصاديًا بالمنظومة الأميركية.

كلمة أخيرة إنقاذ الدولار لا يعني فقط إنقاذ عملة، بل هو معركة على من سيقود النظام العالمي القادم. ما بين عالم متعدد الأقطاب يتشكّل، وأميركا التي تحاول إعادة تدوير أزماتها لصالحها، قد تكون السنوات القادمة حاسمة. لكن في النهاية، ما لم تُعالج مشكلة الدين الأميركي، والتصنيع الحقيقي، واستعادة الثقة الداخلية، فإن قدرة الدولار على البقاء عملة مهيمنة ستكون محدودة زمنيًا.