في زمن الرقمنة
| د.حورية الديري
مع تسارع التحول الرقمي، تغيّرت قواعد اللعبة في عالم الاقتصاد والمجتمع، ومثال ذلك لم تعد المسؤولية الاجتماعية تعني مجرد تبرعات موسمية أو مبادرات خيرية محدودة، بل أصبحت جزءًا من هوية المؤسسة وقياسًا حقيقيًا لالتزامها تجاه المجتمع. في زمن الرقمنة، المواطن لا يراقب إعلانات الشركات بقدر ما يراقب ممارساتها على المنصات الرقمية. كيف تتعامل مع بياناته؟ هل توفر له خدمات عادلة ومتكافئة؟ هل تساهم في نشر المعرفة الرقمية ومكافحة التضليل؟ أسئلة كهذه باتت تحدد سمعة المؤسسات أكثر من أي حملة دعائية. المسؤولية الاجتماعية اليوم ترتبط بحماية الخصوصية، وضمان الشفافية الرقمية، وتقديم حلول تقنية تُسهل حياة الأفراد وتقلل الفجوات. الواقع يثبت أن المؤسسات الذكية هي التي توظف الرقمنة لصالح المجتمع؛ لذا نرى بنوكًا تطلق منصات لتثقيف الشباب ماليًا عبر تطبيقات مجانية، وشركات اتصالات تفتح آفاق التعليم عن بُعد، وشركات خاصة تطلق مبادرات بيئية توعوية تقلل الاعتماد على الورق والانبعاثات بفضل الحلول التقنية. هذه النماذج توضح أن الرقمنة إذا اقترنت بالمسؤولية الاجتماعية تتحول إلى قوة إيجابية شاملة. لكن التحدي يظل قائمًا: كيف نضمن وصول هذه الخدمات للجميع؟ كيف نمنع تزايد الفجوة الرقمية بين من يمتلكون المعرفة والأدوات وبين من يقفون خارجها؟ هنا تظهر المسؤولية الأكبر، وهي دمج الرقمنة ضمن رؤية عادلة ومستدامة؛ لأن الجيل الجديد أكثر وعيًا في الرقمنة؛ ولذلك فإن أي إخفاق في الالتزام الرقمي المسؤول قد يترجم إلى فقدان الثقة. المسؤولية الاجتماعية لم تعد هامشًا على دفتر المؤسسة، بل أصبحت شرطا لاستمرارها وبقائها، وقد وفرت الرقمنة جميع الأدوات، والمطلوب هو الإرادة الحقيقية لتسخيرها في خدمة الإنسان. ونستطيع القول إن المسؤولية الاجتماعية في عصر الرقمنة عقد أخلاقي يربط المؤسسات بمجتمعها، ويضعها أمام امتحان دائم بين الربح السريع والقيمة المستدامة، ومن ينجح في هذا الامتحان هو من سيقود المستقبل بثقة.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية