في شنغهاي.. يتعمق النقاش بشأن إشكالات الذكاء الاصطناعي
| أ.د. دينغ لونغ
استضافت مدينة شنغهاي أخيرا المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي “WAIC2025” للعام 2025، حيث شارك فيه أكثر من 1200 خبير رائد في المجال، وتم استعراض أكثر من 40 نموذجًا ذكيًا كبيرًا و60 روبوتًا ذكيًا؛ ما جعله أكثر من مجرد منصة لعرض أحدث التقنيات، بل تحوّل إلى عالم مصغّر لمراقبة التحوّل الرقمي لحضارة البشرية؛ ما يؤكّد أن الذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجيا من أداة متخصّصة إلى وكيل ذكي عام، حيث إن كل زيادة بنسبة 1 % في معدّل اختراقه التكنولوجي قد تعيد هيكلة أكثر من 10 % من سلاسل القيمة الصناعية العالمية. في عصر التطور السريع لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يواجه النظام العالمي للحوكمة في هذا المجال تحديات وفرصًا غير مسبوقة. ووفقًا لتقرير “ماكينزي” للعام 2025، سيصل تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد العالمي إلى 16 تريليون دولار بحلول العام 2030، لكن المجتمع الدولي يفتقر حاليًا إلى آليات حوكمة متّسقة وفعالة. وبدأ الذكاء الاصطناعي يتوغّل في كل كبير وصغير وفي المجالات كافة؛ ما جعل التعاون الدولي والحوكمة العالمية لا مفرّ منها، حيث تتلاشى الحواجز القومية التكنولوجية أمام المنطق التجاري. على سبيل المثال، صرّح رئيس قسم التكنولوجيا في شركة سيمنز بأن جميع المنتجات ستدمج عناصر الذكاء الاصطناعي خلال 3 إلى 5 سنوات، حيث قرّرت الشركة الألمانية العملاقة تبنّي نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مثل “ديب سيك” كشريك رئيس دون التحيز والتمييز. ومن أجل تشكيل نظام عالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي؛ دارت مناقشات وحوارات في ورشات عمل المؤتمر، واتّفق المشاركون على أن هناك فراغا حوكميا نتج عن الفجوة بين سرعة التطور التكنولوجي وتأخّر التنظيم، إذ تناول إعلان شنغهاي للحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي الذي صدر عن المؤتمر مباشرة “معضلة كولينجريدج” الأكثر إلحاحًا في تطوّر الذكاء الاصطناعي، حيث إن التأثير الاجتماعي للتكنولوجيا لا يمكن أن يكون غالبًا، وحذرت مجموعة العمل رفيعة المستوى للأمم المتحدة للتعاون الرقمي في العام 2025 من أنه دون إنشاء آليات حوكمة عابرة للحدود، قد تزيد النزاعات الدولية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 300 % بحلول العام 2030، وأن هناك فجوة كبيرة بين الدول المتقدمة والنامية في مجال القوة الحاسوبية، وذلك نتيجة للفجوة الكبيرة في البنية التحتية الرقمية كالشرائح والكفاءات، وأهم من ذلك، لابد من إيجاد حل لمعضلة التوازن بين الابتكار التكنولوجي ومخاطر الأمان والأخلاقيات. وفي ظل التطوّر المتسارع للذكاء الاصطناعي بحلول العام 2025، أصبحت القضايا الأخلاقية المرتبطة به تفرض نفسها على جدول أعمال المؤتمر. وبينما تُحدث الخوارزميات تحولات في الرعاية الصحية والتمويل وحتى العدالة الجنائية، وتبرز خلال نقاشات المؤتمر تساؤلات حاسمة حول المساءلة والشفافية وما يسمى بالتمييز الخوارزمي ضد الفئات الضعيفة ودول الجنوب العالمي. 1. تحيّز الخوارزميات وانعكاساته الاجتماعية تشير الدراسات إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تكرس التمييز ضد الفئات المهمشة. على سبيل المثال، خوارزميات التعرف على الوجه أظهرت دقة أقل بنسبة 34 % للأفراد ذوي البشرة الداكنة وفقا لأبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (2023). هذا يطرح إشكالية أخلاقية حول “التشفير الأخلاقي” (Ethical Coding) وضرورة تنويع مجموعات البيانات التدريبية. 2. الخصوصية والرقابة الجماعية مع اعتماد الحكومات على أنظمة مثل التعرف على المشاعر (Affective Computing) في الأماكن العامة، كما في تجربة شنزن الصينية 2024، يتضاءل الخط الفاصل بين الأمن المجتمعي والتدخل في الحريات الفردية؛ فيتطلب مبدأ “التصميم من أجل الخصوصية” (Privacy by Design) إعادة تقييم جذرية. 3. الذكاء الاصطناعي وسوق العمل يتوقع البنك الدولي أن تحل الروبوتات محل 20 % من الوظائف في الشرق الأوسط بحلول 2030. بينما يروج البعض لفكرة الضرائب الروبوتية لتمويل شبكات الأمان الاجتماعي، يجادل آخرون بضرورة إعادة هيكلة أنظمة التعليم لمواكبة الاقتصاد المعرفي الجديد. وأشار المشاركون في المؤتمر إلى أن الذكاء الاصطناعي قد تشكّل تهديدات لمكانة البشر في العمل والأسرة، ويرى البعض الآخر أن الذكاء الاصطناعي تشوّش الحقائق بأوهام تفكيره، وقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فوضى قيمية إذ يحلّ محل الحاجة البشرية، حيث يتطلّب الأمر لأطر قانونية وطنية ودولية، وبالتالي تشكّل أسسا للحوكمة العالمية. ويتسارع التشريع العالمي مثل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي؛ ما يدعو لإنشاء أنظمة قانونية واضحة المسؤولية لتحقيق التوازن بين تحفيز الابتكار والتحكّم بالمخاطر، وتجنّب الانتهاكات أو التنظيم المفرط. ومنذ انطلاق المؤتمر العالمي الأول للذكاء الاصطناعي بالعام 2018، الذي ركّز على دقّة الخوارزميات، حتى المناقشات الجارية حول ما إذا كان يجب منح الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية، فإن الفهم البشري للتكنولوجيا الذكية قد شهد قفزة فلسفية كبيرة، ولا تكمن مساهمة مؤتمر شنغهاي في تعميق الحوار في عدد الروبوتات أو النماذج الكبيرة التي تعرضها، بل في قدرتها على مراعاة المتغيرات السريعة للاختراقات التكنولوجية والمتغيرات البطيئة للابتكار في الحوكمة في الوقت ذاته. ومن أهم مخرجات المؤتمر أنه لا يمكن فصل تطور الذكاء الاصطناعي عن الإطار الأخلاقي الذي يحكمه، حيث لا يمكن أن تكون التكنولوجيا دون ضمير، ولا يجوز أن تكون حكرا على الأغنياء، ومن أجل تحقيق العدالة في الذكاء الاصطناعي يتطلب الأمر تعاونا عابرا للحدود بين المطورين والحكومات؛ لضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة للعدالة بدلا من تعميق التفاوتات. وبهذا الصدد، تكتسب المبادرة الصينية لإنشاء منظمة الذكاء الاصطناعي العالمية أهمية استثنائية للتعامل مع الواقع المتغيّر الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي.
أستاذ بمعهد الدراسات شرق الأوسطية في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية