مواجهة العدمية والانكفاء
| كمال الذيب
عشنا سنوات عديدة ونحن نلوك أفكارا قديمة تبين أنها منتهية الصلاحية وتبين أن علينا امتلاك فكر خلاق بعيدا عن النمطية والتكرار والتقليد وتقديس الماضي، أو طرح حاضر الآخرين كبديل وحيد للانطلاق نحو المستقبل. لكن هذا الوعي قد ينطوي أيضا على مخاطر تهدد بتحويل واقع الإخفاق الذي يحاصرنا إلى النظر إلى مجموع تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وربما الوسيط أيضا إلى سلسلة من الهزائم والإخفاقات مصدرها انحطاط الذات وانعدام الإرادة ونقص الكفاءة والقدرة على مواجهة تحديات التاريخ والرد الإيجابي عليها. وهكذا يظهر الإخفاق كما لو كان تجسيدا لعاهة فطرية، أو لثمرة لنقيصة ذاتية، وعندئذ يغلب موقف الجلد والنواح على موقف العقل والمراجعة والانفتاح، وتكون النتيجة تكريسا متجددا للنزعات السلبية العدمية وتأنيب الضمير، وكلها من المشاعر التي تقضي على إمكانية استعادة الوعي والثقة بالنفس والدفع نحو الممارسة الإيجابية والمبادرة. إن من أخطر المواقف وأسوئها اعتبار الإخفاق معبرا عن عدم فعالية الاستراتيجيات والوسائل المتبعة واعتباره أيضا معبرا عن تهافت الأهداف والمبادئ التي قامت عليها فكرة النهضة العربية بالأمة العربية المستحيلة. فيقع التشكيك في صلاحية العمل الثقافي العربي ذاته وفي نجاعة التحول الاجتماعي ومصداقية المبادئ الإنسانية. ومن هنا تأتي دعوات انكفاء كل قطر وكل جماعة على نفسها، لا تهتم إلا بخدمة مصالحها الخاصة والفئوية. وهكذا يصبح الحديث عن الإخفاق وسيلة لتدعيم الممارسات السلبية، والاتجاهات التقسيمية التي كانت هي نفسها من أسباب هذا الإخفاق. فبقدر ما يؤدى الهروب إلى الأمام، الى الشطب على مكاسب قرون كاملة من التجربة والخبرة التاريخية العربية ومحوها، والبدء من الصفر، يؤدي التراجع النظري والعملي إلى الانكفاء نحو مواقع صرفت المجتمعات العربية قرونا طويلة لتجاوزها وتبديلها. نحن إذا في مواجهة هذه العدمية وسوء التدبير على مختلف الأصعدة نحتاج ولا شك إلى تعبئة طاقات روحية وجماعية لا حدود لها وهناك ما يؤكد وجودها وإمكانياتها التاريخية، إلا أنها تحتاج لتحقق أهدافها إلى تطوير إدارة الدولة الديمقراطية العقلانية، وتعبئة النخبة المثقفة الواعية في الأجهزة الثقافية الرسمية والأهلية للنهوض بالوضع على جميع المستويات.
كاتب وإعلامي بحريني