خربشة ومغزى | "المساجد في الصين ،، إطلالة تاريخية ،، وجذور إسلامية"
| احمد عبدالله الحسين
المساجد في الصين إطلالة تاريخية وجذور إسلامية يُحاكي قديم زمن تم فيه إنشاء بيوت الله بواكير صدر الإسلام على جغرافية بعيدة عن جزيرة العرب وهي بلاد الصين التي عرفها العرب قبل ظهور الإسلام، وتاريخهم معها مذكور لأكثر من 2000 سنة. العرب أنشأوا روابط؛ حملتها تبادلات تجارية سلكت طريق الحرير البري، وسفن شراعية عبرت بهم طريق التوابل البحري. وهذا أكتنز إرث صيني وعربي فيه ماضي عريق طرفي قارة آسيا حيث نُقِل خزف، وصناعة ورق، وطباعة صينية غربا، وأنتقل علم فلك وتقويم، وطب وصيدلة عربية شرقا.
الصين أستقبلت بإحترام الإسلام حتى وِصف دين هوي ودين مكه ودين نقاء وصفاء، وأُطلق على مريده لقب مسلم. والتاريخ حمل أخبار دخول الإسلام الصين في أوائل عصر أسرة تانغ (618-907)م، حينما أرسل الخليفة عثمان بن عفان رسولا عام 21 هجري إلى مدينة تشانغآن للمثول بين يدي الإمبراطور الصيني لتقديم نبذة عن دولة الإسلام ودعوتها. ثم توالت بعثات وتواصلت وفود وفيهم تجار كان لهم أثر.
وحينما فُتحت في العصر الأموي تركستان الشرقية ومنطقة كاشغر في الحدود الغربية الصينية قبل نهاية القرن الأول الهجري على يد قتيبة بن مسلم الباهلي لم تمس أرض الصين، والحملة أستخدمت طريق قوافل خط الحرير بين غرب آسيا والصين، وقد تم من خلال هذه المُحاذاة في المحطات والمدن بَعْث قِيم الإسلام ودعوته، وكان للتجار إسهام في هذا بين الناس، خصوصا مع القاطنيين غرب الصين، وجوار منطقة تركستان وسط آسيا، وهي تُخوم حدود غربية صينية. ومع تكاثر التجارة مع الصين تأسس جسر تبادل تجاري وثقافي، وهنالك من العرب أستقر وتوطن آنذاك، وهؤلاء بنوا مساجد تُعتبر قديمة الزمن والأثر، وتميزت بفن معماري عربي سواء في عمارة مآذن أو قاعات صلاة. والدور الأكبر في بناء المساجد تولته مجموعات شعوب صينية أسلمت القرون الأولى وهي؛ هوي، والايغور، دونغشيانغ، وسالار، وباوآن وغيرها، وهم يقطنون مدن نينغشيا وشينجيانغ وقانشو وتشينغهاي، وهؤلاء بنوا مساجد حتى بلغ عددها عبر الزمن ما يزيد عن 30 ألف مسجد، بعضها في مدن كبرى، وغيرها في مدن صغيرة وقرى.
والمساجد في الثقافة الصينية ليست مجرد مراكز دينية يجتمع فيها المسلمين، بل هي في إرثها وطرازها تُعدّ من فرائد الآثار التاريخية في الصين لأن بعضها منذ إنتشار الإسلام بالصين قرابة 1300سنة، والإسلام كان عقيدة مشتركة لدى عشر أقليات قومية هي؛هوي، والويغور، والقازاق، والقرغيز، والتتار، والأزبيك، والطاجيك، ودونغشيانغ، وسالار، وباوآن.
والحديث عن مساجد الصين يطول التفصيل، ولعلّ ذكر أميزها يعطي نبذة عن الباقي، ولذا يكون هذا الاختصار عن بعض مساجد كُبرى مشهورة وهي؛
مسجد هوت يشنغ ويقع في مدينة قوانغتشوا بدأ بناؤه في أسرة تانغ، وقد قيل أن الصحابي سعد بن أبي وقّاص كان أول من وضع حجر الأساس لهذا المسجد عندما جاء إلى الصين لنشر الإسلام، وأطلق عليه هوايشنغ أي الحنين إلى النبي ويُقصد به محمد ﷺ.
تم تطويره عبر الزمن وله منارة بارتفاع 36 متر وهو بطراز الفن المعماري العربي.
مسجد تشنغ جينغ ويقصد بها الصفاء والنقاء يقع هذا المسجد في مدينة تشيو انتشو (مدينة الزيتون). بدأ بناؤه في عام 1009م. مدينة تشيو بالمناسبة فيها الكثير من الآثار الإسلامية لأنها كانت ميناء مهما للاتصال الخارجي.
مسجد شيانخه يقع في مدينة يانغتشتو، وطراز البناء دمج بين الفن العربي والصيني، إذ أن قاعة الصلاة على غرار الفن المعماري التقليدي الصيني.
مسجد تشنجياو وهو في مدينة هانغتشو، ويُطلق عليه مسجد العنقاء لان بناءه يشبه العنقاء الناشرة جناحيها يضم قاعة كبيرة للصلاة.
مسجد عيد كاه الذي يقع في مدينة كاشغر بمنطقة شينجيانغ الإسلامية، وهو أكبر مساجد الصين قاطبة وقاعة الصلاة فيه تتسع لما يتراوح سبعة آلألف مُصلِ في آن واحد، ويضم أكثر من مائة وأربعين من الأعمدة الخشبية المحفورة عليها الأزهار التي تبهر الناظرين اليها.
ولا ننسى ذكر مثل مسجد نيوجيه (البقرة) في بكين، ومسجد تونغشين في نيتغيشا الإسلامية، ومسجد سونغجيانغ في شانغهاي، ومسجد تايوان في مقاطعة شانشي.
والحديث عن مساجد الصين لا ينتهي، وهي تتمتع بالتاريخ العريق والشهرة. والجاليات المهاجرة العربية والأعجمية الإسلامية لها نصيب أيضا في بناء المساجد في الصين، هؤلاء منهم مزارعين وصناع وحرفيون وتجار وعلماء ودعاة دين، وبعضهم تزوجوا نساء صينيات، وتحولوا إلى الجنسية الصينية بالتدريج مما زاد من المساجد في كل أنحاء البلاد.
التاريخ يحدثنا أن الصينيين في أواخر عهد أسرة تانغ (618-907)م وأوائل أسرة سونغ (960-1279)م يسمون المسجد "لي تانغ" (قاعة الأجتماع)، ثم أطلقوا عليه أسم "لي باي تانغ" (قاعة الصلاة) أو "سي تانغ" (المعبد). وفي أواسط القرن الثالث عشر أخذ المسلمون الصينيون في تسمية المسجد تشينغ تشن سي (متعبد الصفاء والحق). وفي هذا تأويل عندهم فكلمة "تشينغ" (الصفاء) تشير إلى أن الله تعالى صاف لا تشوبه شائبة أبدا، وأنه غير مستقر في مكان محدد، وأنه الأول والآخر. بينما يشار بكلمة " تشن" (الحق) إلى أن "الله أحد، وكلمة "سي" (المعبد) وهي مستعارة من موروث تسمية البوذيين الصينيين لدار العبادة.
والمسجد في الموروث الصيني هو معبد مفضل للعابدين بمعناه العام، وفيه الأشراف على عقود الزواج ومراسم الجنائز والإصلاح بين المتخاصمين ومساعدة المحتاجين وغيرها.
هكذا هي مساجد الصين، صُرّة تاريخ زاهية بأبراجها، منائر تعلوا ما حولها، وتزهو زُخرف ونقش يتجلى روعة. أصداء رفع الآذان والصلوات منها بلسم قِيم تعايش، وإجتماع كلمة، ولحمة بين الناس.