انتحار العلاقات!

| د. جاسم المحاري

تلحظ عليه المبالغة في خوفه من الجراثيم، واعتقاده الدائم بأنّ كل الأشياء متسخة وملوثة وتحتاج التطهير والتعقيم، كما تنتابه بين الفينة والأخرى الشكوك المشتتة في إطفاء الفرن والمكيف والأجهزة الكهربائية الأخرى وغلق صنابير المياه وإحكام الأبواب والنوافذ وإقفال السيارة، كذلك تطغى عليه أفكار عدوانية عنيفة قد يُؤْذِي فيها نفسه والآخرين من حوله دون رغبة حقيقية في ذلك، ثم يُلّح في التنظيم ويشعر بالضيق إذا لم تكن الأشياء في حالة مرتبة بالطريقة التي يرتئيها هو، حيث تظهر عليه في الأثناء أفكار عدوانية داخلية تارة، وتارة أخرى في هيئة طقوس عقلية أو جسدية يُخفّف فيها من قلقه، غير أنّه يُعزّز دائرة وساوسه الواهية حين يُكرّر غسل يديه حتى هيجان جلده، ومن بعدها يُعاود الترتيب والتناظر والتمازج في رغبات جامحة وتخيّلات مُجوّفة تدفعه إلى زيادة مرات الاستحمام والنظافة والعدّ والفحص وسط حاجة ماسّة للتعزيز والتحفيز المفقود. أعراض هذه الحالة التي تتشعب إلى نواحي الصحة والنظافة أو التثبّت والتأكيد أو الترتيب والتناسق أو الاكتناز واجترار الأفكار، هي واحدة من اضطرابات النفس التي يُعانيها الأشخاص في مشاهد تكرارهم الأفكار والمخاوف والأحاسيس غير المرغوب فيها، حتى أنّها تُشعرهم بأنّهم مُكرهون على تكرار أفعال أو سلوكيات يُحاولون فيها التخلص من مواجهة صعوبة إبقاء تركيزهم بعيدًا عن تداعي الهواجس الموجعة، وتداخل السلوكيات المنبوذة وتدهور العلاقات الوثيقة وتقلّب المواقف الثابتة وتصاعد التصرفات العشوائية في طقوس معايشهم اليومية التي قد تُجنّبهم المشاركة في الأنشطة والمناسبات الاجتماعية، وتقليل فرص التفاعل الاجتماعي المنتج وبناء العلاقات النفسية الصحية وإعاقة التواصل الفاعل مع الآخرين، حينئذٍ تشيع بينهم – مثالًا لا حصرًا – عدوى تفادي مصافحة الآخرين أو ملامسة حاجيات الغير أو نتف شعر الرأس وغيرها. 

نافلة: في حالة ما، شعرت فيها بالخوف من الاتساخ والتلوث، أو الإصابة بالأمراض والعلل، أو التّسبب بالضّرر لنفسك والآخرين، أو الوقوع في الخطأ والفشل، أو الشعور بالخطيئة والأفكار السيئة، أو ما شابه؛ فإنّك مثقل – لا محالة - بحياة يسودها التوتر الهالك والضغط المضعِف والصدمات الجارحة والأحداث المؤلمة التي تنقلك – مجبرًا لا مخيرًا – إلى مرحلة “الانتحار” في العلاقات الاجتماعية والاضطراب من التصرفات السوية، الأمر الذي يستوجب منك التحفيز الداخلي العميق في إدراك الإيجابيات وفهم السلبيات وتجنيب المخاطر المترتبة، على سبيل تغيير الأفكار وتجديد الأنماط واستحداث التجارب، وصولًا إلى مقاومة الهواجس المفرطة الضارة بالعلاقات الإنسانية بين أبناء العائلة الواحدة – على أقل تقدير – وعلاقاتهم مع أزواجهم وأطفالهم وقراباتهم وجيرانهم الآخرين.