القصيم.. بناء الهوية في رواية السياحة
| د.محمد الزكري
وهل أترُكُ العِيسَ العَواليَ بالضُّحى بِرُكبانِها تعلو المِتان الفيافيا إذا عُصَبُ الرُكبانِ بينَ (عُنَيْزَةٍ) و(بَوَلانَ) عاجوا المُبقياتِ النَّواجِيا مالك بن الريب (560 م)
إذا كانت رحلتك إلى الهضبة النجدية، فإن محطة القصيم ستكون تجربة لا تُنسى؛ هنا تلتقي الأصالة النجدية بملامح الحداثة في مشهد سياحي واقتصادي نابض بالحياة. اقتصاديًا، حقق القطاع السياحي في القصيم نموًا سنويًا بلغ 10 % في عام 2023، مع إنفاق سياحي وصل إلى 5.9 مليار ريال سعودي. وخلال عام 2024، تضاعفت تراخيص مرافق الضيافة والفنادق، مما يعكس توسعًا ملحوظًا في البنية التحتية السياحية. كما ارتفعت فرص التوظيف في هذا القطاع بنسبة 4.1 %، ما يؤكد دوره المتنامي في دعم الاقتصاد المحلي. أما ترفيهيًا، فتزدان شوارع بريدة، وعنيزة، والرس بمقاهٍ حديثة تمزج بين عبق التراث وروح المعاصرة. وقد خصّ موقع Tripadvisor هذه المقاهي بحديث سياحي خاص، لما تحمله من تجربة فريدة تتجاوز تقديم القهوة، لتصبح فضاءات ثقافية حية. هنا، يقدم شباب القصيم منتجات مستوحاة من البيئة النجدية، ويستقبلون الزوار بابتسامة وكرم ضيافة أصيل. في عام 2023، سجلت مقاهي القصيم زيادة في أعداد الزوار بنسبة تقارب 10 %، ما يعكس مساهمتها الفاعلة في نمو القطاع السياحي. الإنفاق السياحي الكلي في المنطقة، البالغ 5.9 مليار ريال، يبرز أهمية المرافق الثقافية والترفيهية في جذب السياح وتعزيز الحراك الاقتصادي. إداريًا، تُعد القصيم واحدة من المناطق الإدارية الـ13 في المملكة العربية السعودية، وتضم 12 محافظة هي: بريدة، عنيزة، الرس، المذنب، البكيرية، البدائع، الخبراء، الأسياح، عيون الجواء، الشماسية، عقلة الصقور، وضرية. في القصيم نشاهد التراث الحي... متاحف وقصص تحكي التاريخ حيث تحتضن القصيم متاحف أثرية مهمة تسرد تاريخها العريق وتراثها الثقافي: متحف بريدة الوطني (وسط بريدة)، متحف العقيلات (بالعقيلات قرب بريدة)، ومتحف العبري (في رياض الخبراء). تضم هذه المتاحف آلاف القطع الأثرية التي تحكي تاريخ القصيم التجاري والاجتماعي عبر العصور. القصيم هي “سلة غذاء” المملكة، إذ تضم أكثر من 8 ملايين نخلة تنتج سنويًا نحو 205 آلاف طن من التمور الفاخرة، ما يجعلها مركزًا اقتصاديًا زراعيًا محوريًا. إلى جانب التمور، تنتج القصيم أنواعًا متعددة من الغلال تشمل: القمح، الشعير، الخضروات المتنوعة كالطماطم، الخيار، والفلفل، الفواكه مثل الرمان، العنب، والتين. كما تضم منطقة القصيم وادي الرمة، وهو من أطول الأودية في شبه الجزيرة العربية، وعيون الجواء ذات المناظر الخلابة، وجبال قطن التي توفر فرصًا مميزة للرحلات والمغامرات في الهواء الطلق.
أما مهرجان تمور بريدة، فيُعد الأكبر عالميًا، حيث يستمر لمدة 35 يومًا سنويًا، ويعرض أصنافًا متنوعة من التمور التي تنتجها أكثر من 8 ملايين نخلة في القصيم، من بينها: السكري (نسبة مبيعاته 30 %)، الخلاص (نسبة مبيعاته 20 %)، الخضري (نسبة مبيعاته 15 %)، العجوة (نسبة مبيعاته 10 %)، الصنف الصقعي (نسبة مبيعاته 8 %)، الصفاوي (نسبة مبيعاته 6 %)، الشقراء (نسبة مبيعاته 5 %)، روثانا (نسبة مبيعاته 4 %)، عنبرة (نسبة مبيعاته 2%). يبلغ حجم المبيعات خلال المهرجان نحو 500 مليون ريال سعودي، ما يعزز مكانة القصيم كمركز زراعي وسياحي فريد. كما لا يفوتك، عزيزي السائح، زيارة سوق الإبل في بريدة، الذي يُعتبر من أكبر أسواق الإبل في العالم. هنا تُتداول آلاف الإبل سنويًا بقيم مبيعات تصل إلى مئات الملايين من الريالات. يشتهر السوق بتنوع أصناف الإبل التي يعرضها، مثل الإبل البيضاء، والسعيدة، والحمر، والهجن السريعة، مما يعكس ثراء التراث البدوي وحيوية السوق. في عام 2023، وصلت قيمة مبيعات سوق الإبل بالقصيم إلى نحو 350 مليون ريال سعودي، مما يبرز أهميته الاقتصادية ودوره الحيوي في الحفاظ على التراث المحلي. القصيم... بناء الهوية في رواية السياحة السعودية القصيم ليست مجرد وجهة سياحية، بل هي تجربة متكاملة تجمع بين أصالة الماضي ونبض الحاضر الاقتصادي والثقافي. بين مقاهيها التي تحمل عبق التراث وروح الشباب، ومتاحفها التي تحفظ تاريخها العريق، وطبيعتها الخلابة التي تأسر القلوب، ومزارعها التي تنتج خير الأرض، تجد فيها روح نجد الحقيقية. القصيم هي حجر الأساس في بناء الهوية السعودية السياحية، من خلال التوازن بين المحافظة على التراث والتطوير الاقتصادي المستدام، وهو ما يجعلها فصلاً لا يمكن تجاهله في رواية السياحة بالمملكة.