المسؤولية المجتمعية.. ومبادرات “البلاد”
| أسامة مهران
لم تكن على مكتبي سوى قصاصات مهملة، غبار بعد موجة عارمة من رياح خلفتها عاصفة، فتشت في الغرفة المغلقة عن كتاب يعيدني إلى الذاكرة أو يعيد الذاكرة إليّ، امتدت يدي لتلقط عجيبة “الأيام” لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وعلى جانبي العمل الملحمي تصطف الأعمال الكاملة للشاعر المصري أمل دنقل ونحو سبعة دواوين للشاعر الفلسطيني محمود درويش. اكتفيت بهذه الثروة “النثر شعرية” فـ “الأيام” وحدها تكفي، واثني عشر كوكبًا أو محاولة رقم 7 أو أعراس تكفي لإعادة ذائقة الشعر إلى وكرها الطبيعي رغم الأعمال الكاملة لـ “دنقل”. أما السبب في هذه الزيارة إلى مكتبة أكل عليها الدهر وشرب فهي تلك المنافسة الشرسة التي وضعتها الجامعة أمامي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، بالتحديد مع تقنية “الشات جي بي تي” المتخصصة في توفير المعلومات ومختلف صنوف المعرفة من خلال “ضغطة زر” أو دعوة من صوت، أو سؤال من عابر سبيل. ورغم قناعتي بأن الكتابة بـ “التقنية” المسماة بالكتابة الرقمية لا يمكن لها أن تنتصر على الإنسان، على العقل البشري المفعم بالروح، وعلى الروح المهجنة مع العقل البشري، إلا أن الحاجة لترميم الذاكرة باتت أكثر إلحاحًا من ذي قبل حتى لا تضيع في غفلة من الروح، وهجمة مرتدة من “الشات” ملكات ظلت حية قرونًا بعيدة من الزمان، وحتى لا يجد الإنسان نفسه مجددًا محجوزًا بين أسر الإجهاد الذهني وأطماع المخلوقات الرقمية، لذا عدت إلى أول سطر في المشوار الطويل، أبدأ من حيث بدأت، ولا أبدأ من حيث انتهى الآخرون.
في خضم الأحداث المتأنية التقطني خبر عريض بصحيفتنا “البلاد”، الخبر على شعبيته، والصور المعلقة فوق حائطه العريض على نجومية أصحابها، أحاطتني علمًا بأن المسؤولية المجتمعية تفرض على مختلف المتعاملين مع صناعة العقل ألا يتجردوا عند الحكم على الأشياء، وألا ينجروا خلف مثاليات النظريات الرعناء. مبادرات “البلاد” تحاول ربط المجتمع بالصحافة المكتوبة، والصحافة المكتوبة بالمجتمع، حاولت أن تنهي تلك القطيعة المصطنعة بين العِلم وأدوات التوصيل، ففي الوقت الذي توزع فيه الصحف الورقية أكثر من 12 مليون نسخة يوميًا في اليابان – معقل التكنولوجيا الحديثة، نجد أن هذا الرقم سقط مغشيًا عليه في أكبر عاصمة عربية سكانيًا، حيث الـ 120 مليون نسمة في مختلف بقاع “الكنانة” ربعهم في القاهرة وحدها. وفي الوقت الذي استسلمنا فيه عربيًا لهجمة الإنترنت والصحافة الرقمية، وإعلان “السوشال ميديا”، ومعرفة الإحداثيات والخوارزميات الإلكترونية المعلقة، نكتشف أن الهند – أكبر منتج للـ “سوفت وير” في العالم، أكثر البلدان في العالم طباعة للصحافة الورقية ليس كمعدل إجمالي للسكان الأعلى أيضًا عالميًا، إنما بحساب نصيب الفرد من الصحيفة الورقية قياسًا بالسنوات العشر الماضية. الأرقام الحديثة لا تكذب أبدًا، والتشدق بشماعة التكنولوجيا على أنها السبب في إبعاد القارئ عن الكلمة المكتوبة (مجلة، كتاب، صحيفة مطبوعة أم ورقية أيًا كان اسمها) لم يعد ينطلي على المفكرين والباحثين والصحف الورقية المهددة بالإغلاق خلال ثلاث سنوات على أكثر تقدير مثلما يبشر العاجزون عن النشر والتواصل مع القارئ عبر الصحافة المكتوبة أو الكتاب الورقي، أو المجلة المصورة “بتاعت زمان”. المسؤولية المجتمعية تفرض علينا أن نصارح أنفسنا أولاً بأن السبب في تراجع كل ما هو ورقي ليس لحساب كل ما هو رقمي، ذلك أن الاستسهال وعدم المهنية أو الجهل بها، لعبوا دورًا كبيرًا في ترهيب مجموعات الأعمال، وإقناعهم بأن إعلاناتهم في الصحف الورقية لن تجدي نفعًا، وأنه لم يعد هناك قراء لهذا النوع من الصحافة، وأن القراء خاصة فئة الشباب توجهوا للقراءة الرقمية عن طريق الهواتف الذكية وأجهزة الكومبيوتر الحساسة، و.. للحديث بقية.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية