ذباب لا يملّ الطنين
| غسان الشهابي
في الأشهر الأخيرة (على الأقل) تتكرر عبارات على وسائل التواصل الاجتماعي قصدها الإثارة والاستثارة للمشاعر القومية بين الشعوب العربية، ويبدو واضحاً أنها استطاعت استدراج أقوام من كل الأطراف من المتفاعلين مع هذه المنصات، مع وجود أناس يقولون: “صلوا على النبي”، إلا أن الصلاة على النبي تضيع في غياب العقل والمنطق. فقد تعلمنا منذ عقود طويلة - كما تعلم الذين من قبلنا، والذين أتوا بعدنا حتى عهد قريب – أن العرب أمّة واحدة، ودعونا الآن من الرسالة الخالدة، ولكنها أمة يجمعها التاريخ المشترك، واللغة المشتركة، والآمال والآلام المشتركة، وحتى البحر الأحمر لا يفرقها، بل هو عامل وصل بين أجزائها! وعلى الرغم من أنني لما كنت طالباً لم أقتنع بجزئية البحر هذه أنها عامل وصل لا عامل فصل، إلا أن هذا ليس هو بيت القصيد، فالبيت المعني انبثاق عبارات مسبوكة تكاد لا تتغير، وصور متكررة توضع قرب بعضها البعض للمقارنة والمفارقة، وتقول هذا بلدنا قبل 80 أو 90 عاماً، انظروا التطور والتقدم والرقي، بينما كنتم في ذلك الوقت في هذا الوضع من الفقر، ويدّعي فريق أنه سبب في نهضة هذا البلد أو ذاك، ولولاهم لبقوا في “تخلفهم” إلى يوم يبعثون، وهناك من يردّ بأن تلك أمة قد خلت، واليوم يختلف عن الأمس، انظروا أين أصبحنا وأين أمسيتم، وأن ما تلقته تلك الأرض من خدمات، دفعت في مقابلها الملايين والمليارات.. وهكذا يستمر التنابز بالأفضال والأفعال وغيرها، في لحظات يغيب عنها العقل، وتمّحي منها كل المبادئ والدروس التي تعلمناها!. والأكيد في هذا الشأن، أن هناك من يحرّك هذه المشاعر الشوفينية، ويعظّمها، ويجعل كل أناس يتصدّون للآخرين، ليكون كيدنا في نحورنا فقط، فلا حديث عن الآخر غير العربي وأدواره القذرة في التفرقة ما بين جماعات العرب أينما كانوا، حتى بات التبرّؤ من العروبة ديدنا متواترا اليوم. المتأمل لهذه الموجات المتتالية الرامية إلى زرع العداوة والبغضاء والاستصغار، لابد - إن ابتعد خطوتين عن المشهد - سيعرف أنها من صنع الذباب الأجنبي الذي من مصلحته أن يعكف كل بلد عربي على نفسه، لا عليه من غيره، حتى تستفرد ذئابهم بنا الواحد تلو الآخر.