الواقع كشف أن الأزمة صراع أقطاب عالمي لا نزاع حدوديا فقط

قمة بوتين–ترامب: صفقة القرن أم الطريق للحرب العالمية الثالثة؟

| سعد راشد

كييف‭ ‬تواجه‭ ‬ضغوطا‭ ‬لقبول‭ ‬تسويات‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أراضيها سيناريو‭ ‬التخلي‭ ‬الروسي‭ ‬عن‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬صفقة‭ ‬التسويــة‭ ‬الأوكرانـــية‭ ‬يخدم‭ ‬أهداف‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬ القطب‭ ‬الشمالي‭ ‬ساحـة‭ ‬صـــراع‭ ‬خفيــة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬ومــوسكو‭ ‬على‭ ‬الثروات‭ ‬والمعادن‭ ‬النادرة‭ ‬

في عام 1867م، كان العالم يتحدث عن صفقة بيع أرض “الاسكا” الروسية إلى الولايات المتحدة الأميركية بقيمة ٧.٢ مليون دولار، بسبب ضائقة موسكو بعد حرب القرم ما بين عام (١٨٥٣ - ١٨٥٦)، حيث كانت الرواية الشائعة أن روسيا ستفقد هذه الأرض مجاناً بعد ان خشيت ان تشهد حرب مع بريطانيا وتحتلها من دون مقابل، في حين وصف نقاد القيصر الروسي أن القرار هو خطأ استراتيجي أفقد موسكو موارد طبيعية هائلة. مع الآخذ بالاعتبار مع مجريات الأحداث، يعتبر تاريخ العلاقات الأميركية الروسية يحمل محطات وأبعاد مختلفة فمنذ أول علاقة دبلوماسية فعلية بينهما عام ١٨٠٧ إلى التطور الأبرز عام ١٨٣٢ بتوقيع معاهدة الصداقة والتجارة والملاحة التي وضعت أسس التعامل السياسي والتجاري وصولاً بعد الحرب العالمية الأولى والثانية والباردة والتي تمخضت عنها معاهدة محورية وهي معاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية التي وقعت في ابريل ٢٠١٠ وقد بدأت سريانها في ٥ فبراير ٢٠١١. وفي ظل هذه المتغيرات، شاءت التحالفات الدولية ما بين تعدد الأقطاب إلى أن يذهب العالم إلى القطب الأميركي الغربي، ظلت روسيا تصارع تاريخها المليء بالحروب والصراعات مقابل قطب يمارس الهيمنة على الثروات ومحاربة القوى الاشتراكية ضد الأفكار الرأسمالية والليبرالية، حتى قررت روسيا أن تنظر لحالها كقوة نووية تشاهد تفكك محورها السوفيتي والهيمنة على أراضيها من دون أن يكون لها أي دور. ولكن اللحظة الفارقة التي غيرت الاتجاه هي عندما قررت روسيا ضم شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤ التي كانت جزء من أوكرانيا منذ عام ١٩٥٤ والذي كان بسبب الضم اندلعت احتجاجات ضخمة أطاحت بالرئيس الأوكراني فيكتور بانوكوفيتش وهروبه إلى روسيا، إلى أن استمرت الرواية الروسية بضرورة استعادة الامجاد السوفيتية برئاسة فلاديمير بوتين والذي لم يتأخر كثيراً في الذهاب إلى أوكرانيا لوقف الامتداد الغربي المتمثل بالاتحاد الأوروبي والناتو الذي يتزعم هذا التحالف العسكري الولايات المتحدة الامريكية، حيث واصلت موسكو زحفها الأكبر على أوكرانيا في ٢٠٢١ عندما أعلنت الحرب على أوكرانيا فما كان على العالم إلا أن يتفرج ما نهاية هذه الحرب. ومع إدارة دونالد ترامب في الولاية الثانية، أطلق وعوده بأنه أفضل من سابقه الرئيس السابق جو بايدن بأنه سيتحرك نحو انهاء هذه الحرب خلال يوم واحد ليصطدم بالواقع المرير أن الأزمة الأوكرانية ليست مجرد صراع بين دولتين بل هو صراع بين القطب القديم الجديد الذي تحالف من أجل أن يكون له نصيب من الثروات المتبقية والقطب الغربي الذي يسعى للحافظ على مكاسبه ويعززها، لتأتي اللحظة الحاسمة وهي اللقاء المرتقب يوم ١٥ أغسطس ٢٠٢٥ بين الرئيس ترامب ونظيره بوتين في الاسكا روسية الأصل وأمريكية السيادة بحق الاعتراف السوفيتي والدولي.

الملفات الشائكة يأتي أهم ملف شائك في الأزمة الأوكرانية هو مدى قابلية كييف في تقبل خسارة أراضيها مقابل إيقاف الحرب وبنفس الوقت خسارة روسيا المجهودات في التخلي عن بعض المكاسب من المواقع المهمة مثل زابورجيا، وأن يكون هناك حل يوقف الحرب، ولكن الثقل الأكبر سيكون على كييف وبالتحديد الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في تقبل هذه النوعية من التسويات.  كما الأهم من ذلك، حجم الضمانات الأمنية التي ستقدمها واشنطن إلى موسكو لضمان عدم امتداد الناتو للحدود مع روسيا في المقابل حجم الضمانات الأمنية التي سيقدمها الرئيس بوتين لكييف لعدم شن عمليات عسكرية أخرى. أما الملف المهم هو كيف ستزن موسكو علاقاتها مع بكين وطهران في حال التوافقات لوقف الحرب في أوكرانيا، حيث أن موسكو بعد تخفيف العقوبات فهناك احتمالية بأنها لن تكون بحاجة كبيرة للصين وإيران بل ستفتح المجال أكثر على الغرب وبالتالي فأن مستوى العلاقات الروسية مع حلفاء الحرب قد تتغير.

السيناريو السيئ تبقى لعبة الشطرنج هي اللعبة السياسية المفضلة لدى الدول الكبرى، ففي الغرف المغلقة يكون اللاعب الماهر هو الذي يقوم بمناورات للفوز أكثر، فالتساؤل الفعلي ما قدمته موسكو لأمريكا كغربال للحصول على أكبر مكاسب في أوكرانيا، كمثال هو الصمت الميداني عن اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا وتقديم النفوذ بشمال إيران مع التخلي التدريجي عن طهران، مما يسمح لواشنطن وتل ابيب مساحة كافية لتحقيق الأهداف الأكبر في إسقاط النظام الإيراني , لكن في المقابل، قد تكون لعبة الشطرنج تصل لمرحلة يتم فيها قلب الطاولة بأن الطرفان لا يصلان إلى أي تسوية مرضية، وتكون الأرضية التفاوضية تشهد فوضى وقد تجر العالم إلى هاوية وقاع ومنزلق صعب السيطرة عليه، بمعنى أن ترامب المتراخي مع بوتين حسب وصف الإعلام الأمريكي يجد نفسه أمام خيار صعب يتطلب فيه الحفاظ على مصالح واشنطن في عدد من الملفات ومنها ملف القطب الشمالي الذي ترى فيه أمريكا مخزون مهم من المعادن النادرة والثروات المهمة والتي تسيطر عليه روسيا بشكل كبير وفق بيانات المجلس القطبي الشمالي وخرائط الأمم المتحدة، فهي تمتلك حوالي 53% من خط الساحل في القطب الشمالي، مما يعني على إدارة ترامب أن تعلن حالة الطوارئ لمواجهة أزمة تعطل الاقتصاد والهيمنة العالمية.

الرؤية الأعمق في أحسن الأحوال سيكون لقاء بوتين وترامب هو لقاء لفتح قنوات الثقة بين الطرفين، ورسم إطار عام عن نقاط الاتفاق والخلاف التي يمكن حلها، فترامب ينظر لها صفقة مهمة للحصول على جائزة نوبل للسلام وبوتين ينظر لها لتعزيز ثقته بالشعب الروسي بأن موسكو انتصرت في الحرب، وبهذا قد تكون كييف هي ضحية لطموح ترامب وبوتين، فيما أوروبا ستبقى القوى المتفرجة، ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً من هي القوى التي ستتحرك بالخفاء في حال رفضها الهزيمة؟