ترامب يبحث عن إنهاء الحرب وبوتين يطارد مكاسبه الكبرى

فرصة بوتين الذهبية

| أحمد جعفر

إنهـــــــــــاء‭ ‬العقوبات‭ ‬مقابل‭ ‬تثبيت‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ صفقة‭ ‬محتملة‭ ‬تُقلق‭ ‬أوروبا‭ ‬وتختبر‭ ‬وحدة‭ ‬الموقف‭ ‬الغربي‭ ‬

عندما‭ ‬صرح‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬أثناء‭ ‬حملته‭ ‬الانتخابية‭ ‬عن‭ ‬إمكانية‭ ‬إيقاف‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬متى‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬كان‭ ‬يظن‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬الشخصية‭ ‬مع‭ ‬نظيره‭ ‬الروسي،‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬أكبر‭ ‬صراع‭ ‬تشهده‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭.‬

لكن‭ ‬ترامب‭ ‬اصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬مختلف‭ ‬تمامًا،‭ ‬ووجد‭ ‬أن‭ ‬اعتقاده‭ ‬كان‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الخيال‭ ‬السياسي‭ ‬منه‭ ‬لخطة‭ ‬واقعية‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬بالنسبة‭ ‬لرجل‭ ‬عقارات‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬دهاء‭ ‬الساسة‭.‬

ولم‭ ‬تهدأ‭ ‬التساؤلات‭ ‬في‭ ‬دوائر‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام‭ ‬عن‭ ‬القمة‭ ‬المفاجئة‭ ‬التي‭ ‬سيعقدها‭ ‬ترامب‭ ‬مع‭ ‬بوتين‭ ‬في‭ ‬ألاسكا‭ ‬الجمعة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬الكبرى‭ ‬تتطلب‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬للتحضير،‭ ‬مما‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المراقبين‭ ‬وحتى‭ ‬ترامب‭ ‬نفسه‭ ‬توقع‭ ‬النتائج‭ ‬المحتملة‭.‬

المؤشرات‭ ‬الأولية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يدخل‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬بهدف‭ ‬إنهاء‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬المستعرة‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭ ‬ممكنة،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬يسعى‭ ‬بوتين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬روسيا‭ ‬استراتيجيًا‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬الشرقية‭.‬

وبحسب‭ ‬شبكة‭ ‬“سي‭ ‬إن‭ ‬إن”‭ ‬الأميركية،‭ ‬فإن‭ ‬ترامب‭ ‬أبلغ‭ ‬مساعديه‭ ‬في‭ ‬أحاديث‭ ‬مغلقة‭ ‬أن‭ ‬“أي‭ ‬جهد‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬يستحق‭ ‬العناء،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬ينجح”،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬أميركية‭ ‬جادة‭ ‬لإنهاء‭ ‬الصراع‭ ‬الذي‭ ‬اندلع‭ ‬بغزو‭ ‬موسكو‭ ‬لجارتها‭ ‬أوكرانيا‭ ‬شتاء‭ ‬العام‭ ‬2022‭.‬

في‭ ‬الناحية‭ ‬المقابلة،‭ ‬يصل‭ ‬بوتين‭ ‬إلى‭ ‬ألاسكا‭ ‬وهو‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬خطة‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬روسيا‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬ورفع‭ ‬العقوبات‭ ‬الدولية‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬موسكو‭.‬

وليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬يستثمر‭ ‬بوتين‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬أيضًا‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬ترامب‭ ‬بوعودٍ‭ ‬بالتعاون‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬عالمية‭ ‬أخرى،‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬علاو‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬والمعادن‭ ‬وغيرها‭.‬

وبينما‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬تتناول‭ ‬القمة‭ ‬مسألة‭ ‬الحرب‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي،‭ ‬فإن‭ ‬الروس‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬لديهم‭ ‬خطة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تشتيت‭ ‬انتباه‭ ‬الجانب‭ ‬الأميركي‭ ‬ببنودٍ‭ ‬مختلفة‭ ‬على‭ ‬جدول‭ ‬الأعمال،‭ ‬سعيًا‭ ‬لتصوير‭ ‬قوتين‭ ‬عظميين‭ ‬تتعاونان‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العالمية‭.‬

وألحقت‭ ‬العقوبات‭ ‬الدولية‭ ‬المستمرة‭ ‬منذ‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬ضررًا‭ ‬عميقًا‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الروسي،‭ ‬وفصلت‭ ‬موسكو‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬رفعها‭ ‬وضم‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬إن‭ ‬شملت‭ ‬زابوريجيا‭ ‬وخيرسون‭ ‬بجانب‭ ‬إقليم‭ ‬دونباس‭ ‬سيكون‭ ‬مكسبًا‭ ‬عظيمًا‭ ‬للكرملين‭.‬

بالنسبة‭ ‬لروسيا،‭ ‬ستمنح‭ ‬هذه‭ ‬الصيغة‭ ‬مخرجًا‭ ‬مقبولًا‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف‭ ‬وشردت‭ ‬الملايين،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تضمن‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخطط‭ ‬ستكون‭ ‬مقبولة‭ ‬لكافة‭ ‬الأطراف،‭ ‬خاصة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬وحلفائها‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬العجوز‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يتضح‭ ‬حضور‭ ‬الرئيس‭ ‬الأوكراني‭ ‬فولوديمير‭ ‬زيلينسكي‭ ‬لقمة‭ ‬ألاسكا‭ ‬من‭ ‬عدمه،‭ ‬فإن‭ ‬النقاش‭ ‬بين‭ ‬كييف‭ ‬والأوروبيين‭ ‬محتدمٌ‭ ‬حول‭ ‬صيغة‭ ‬مناسبة‭ ‬لوقف‭ ‬الحرب‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬اندفاع‭ ‬ترامب‭ ‬نحو‭ ‬صفقة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬سيئة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأوروبا‭ ‬التي‭ ‬تخشى‭ ‬على‭ ‬أمنها‭ ‬من‭ ‬الدب‭ ‬الروسي‭.‬

ويرفض‭ ‬الأوروبيون‭ ‬تغيير‭ ‬الحدود‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬قارتهم‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬تواصل‭ ‬موسكو‭ ‬فعله‭ ‬بعد‭ ‬ضمها‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم‭ ‬الأوكرانية‭ ‬في‭ ‬صراع‭ ‬العام‭ ‬2014‭.‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الأميركي،‭ ‬يصر‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬اجتماع‭ ‬ألاسكا‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬جس‭ ‬نبض‭ ‬بوتين‭ ‬حول‭ ‬استعداده‭ ‬لتقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬قبول‭ ‬الضمانات‭ ‬الأمنية‭ ‬الغربية‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬وهو‭ ‬القبول‭ ‬الذي‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬أن‭ ‬يعترف‭ ‬بالشرعية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لحكومة‭ ‬كييف‭ ‬بقيادة‭ ‬زيلينسكي‭.‬

وبينما‭ ‬ترى‭ ‬أوروبا‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬فيها‭ ‬ترامب‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بأي‭ ‬طريقة،‭ ‬يجد‭ ‬بوتين‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬وإنهاء‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬بلاده‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬المحتلة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬20‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬مساحة‭ ‬أوكرانيا‭.‬

بالنسبة‭ ‬لموسكو،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬فرصة‭ ‬تاريخية‭ ‬لن‭ ‬تتكرر‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬تقام‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬تحمل‭ ‬رمزية‭ ‬عميقة‭ ‬للروس،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬موافقة‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والقوى‭ ‬الأوروبية‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬دون‭ ‬انسحاب‭ ‬كامل‭ ‬للقوات‭ ‬الروسية،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬سؤال‭ ‬مفتوح‭ ‬بلا‭ ‬إجابة‭.‬