معركة النفوذ في عصر التعددية القطبية

الصراع الأميركي الروسي يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي

| د. أحمد الخزاعي

من‭ ‬سباق‭ ‬التسلح‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬الطاقة‭ ‬والتقنية الصين‭ ‬والهند‭ ‬تغيّران‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬العالمية الخليج‭.. ‬من‭ ‬ممر‭ ‬عبور‭ ‬إلى‭ ‬لاعب‭ ‬جيوسياسي‭ ‬مؤثر

في‭ ‬سياق‭ ‬التحولات‭ ‬الدولية‭ ‬المتسارعة،‭ ‬يتجدد‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬النظامين‭ ‬الروسي‭ ‬والأمريكي‭ ‬عبر‭ ‬خرائط‭ ‬جغرافية‭ ‬متعددة‭ ‬تتجاوز‭ ‬الحدود‭ ‬التقليدية‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الصراع‭ ‬بينهم‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬تسلح‭ ‬أو‭ ‬مواجهات‭ ‬أيديولوجية‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬بل‭ ‬تمدد‭ ‬ليشمل‭ ‬البر‭ ‬والبحر‭ ‬والفضاء‭ ‬السيبراني،‭ ‬كما‭ ‬تخلل‭ ‬منظومات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والطاقة‭ ‬والتقنية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬صعود‭ ‬قوى‭ ‬آسيوية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬والهند،‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬التوازن‭ ‬العالمي‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬وتركيبا‭.‬

خرائط‭ ‬النفوذ‭ ‬ومناطق‭ ‬التماس

الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬لهذا‭ ‬التنافس‭ ‬تتوزع‭ ‬بين‭ ‬خطوط‭ ‬تماس‭ ‬ساخنة‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ -‬كالبحر‭ ‬الأسود‭ ‬والبلطيق‭-‬،‭ ‬بجانب‭ ‬جبهات‭ ‬أخرى‭ ‬هادئة‭ ‬ولكن‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬استراتيجي‭ ‬عميق،‭ ‬مثل‭ ‬القطب‭ ‬الشمالي‭. ‬بينما‭ ‬تمتلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تفوقا‭ ‬مؤسسيا‭ ‬وتحالفات‭ ‬مدعومة‭ ‬بمنظومات‭ ‬استخبارات‭ ‬ومراقبة‭ ‬متقدمة،‭ ‬تعتمد‭ ‬روسيا‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الردع‭ ‬النووي‭ ‬والعمق‭ ‬الأوراسي،‭ ‬وتوظيف‭ ‬أدوات‭ ‬الطاقة‭ ‬والنفوذ‭ ‬الإقليمي‭ ‬كوسائل‭ ‬لتثبيت‭ ‬مواقعها‭.‬

الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬كسلاح‭ ‬استراتيجي

التنافس‭ ‬لا‭ ‬يدار‭ ‬بأدوات‭ ‬متكافئة،‭ ‬بل‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬استخدام‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬كسلاح؛‭ ‬فالطاقة،‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬والمعايير‭ ‬التقنية‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬ضغط‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬الدول‭ ‬ومسارات‭ ‬تحالفاتها‭. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬الصين‭ ‬كلاعب‭ ‬اقتصادي‭ ‬وتقني‭ ‬هائل،‭ ‬والهند‭ ‬كلاعب‭ ‬سياسي‭ ‬يتموضع‭ ‬بذكاء‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الثنائية‭ ‬التقليدية‭ ‬كافية‭ ‬لتوصيف‭ ‬واقع‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬بل‭ ‬ظهرت‭ ‬معادلة‭ ‬ثلاثية‭ ‬تفرض‭ ‬قراءات‭ ‬جديدة‭ ‬لأدوات‭ ‬الصراع‭ ‬وحدوده‭.‬

 

استراتيجية‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬موسكو

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تسعى‭ ‬واشنطن‭ ‬إلى‭ ‬احتواء‭ ‬النفوذ‭ ‬الروسي‭ ‬وتحجيمه‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬بينما‭ ‬تعمل‭ ‬موسكو‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬التاريخية،‭ ‬متكئة‭ ‬على‭ ‬ورقة‭ ‬الطاقة‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والتقارب‭ ‬مع‭ ‬الصين‭. ‬وبينما‭ ‬تُعيد‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬رسم‭ ‬خرائط‭ ‬التجارة‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬تبرز‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬مثل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬السويس،‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬كمفاتيح‭ ‬حاسمة‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والروسية‭ ‬على‭ ‬حدٍ‭ ‬سواء‭.‬

 

أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الروسية

تعتمد‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬التنافس‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬استراتيجي‭ ‬من‭ ‬نقاط‭ ‬قوتها‭ ‬التقليدية‭ ‬والحديثة،‭ ‬مما‭ ‬يمنحها‭ ‬تفوقاً‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬محددة‭. ‬فالردع‭ ‬النووي‭ ‬والعمق‭ ‬الأوراسي‭ ‬يشكلان‭ ‬ركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬لنفوذها،‭ ‬بينما‭ ‬تُعزز‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة،‭ ‬خاصة‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي،‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬والآسيوية‭. ‬تضيف‭ ‬روسيا‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬شبكة‭ ‬تحالفات‭ ‬دفاعية‭ ‬مرنة‭ ‬ونفوذاً‭ ‬إقليمياً‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وآسيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬سوريا‭ ‬وإيران‭. ‬

 

التفوق‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني

أما‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني،‭ ‬فتتفوق‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التأثير‭ ‬الإعلامي‭ ‬والحرب‭ ‬الهجينة،‭ ‬مما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬تعطيل‭ ‬خصومها‭ ‬دون‭ ‬مواجهات‭ ‬مباشرة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تقاربها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬وزنها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬قوة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحدي‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬نفوذها‭ ‬التاريخية،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بمرونة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬التوازنات‭ ‬الدولية‭.‬

 

الصين‭ ‬والهند‭ ‬كفاعلين‭ ‬جدد‭ ‬في‭ ‬الصراع

الصين،‭ ‬بثقلها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬أصبحت‭ ‬لاعبا‭ ‬مركزيا‭ ‬في‭ ‬التنافس‭ ‬العالمي‭. ‬مبادرة‭ ‬“الحزام‭ ‬والطريق”‭ ‬وتفوقها‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مثل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والاتصالات‭ ‬يعززان‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬أفريقيا،‭ ‬وأوروبا‭. ‬تعتمد‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العالمية،‭ ‬وخاصة‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة،‭ ‬لتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والجيوسياسي،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬شريكا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لروسيا‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تتبوأ‭ ‬الهند‭ ‬موقعاً‭ ‬متميزا‭ ‬كقوة‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬متوازنة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬علاقاتها‭ ‬القوية‭ ‬مع‭ ‬الغرب‭ ‬وروسيا‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬بفضل‭ ‬سوقها‭ ‬الضخم،‭ ‬وصناعتها‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتنامية،‭ ‬وقوتها‭ ‬العسكرية،‭ ‬تتموضع‭ ‬الهند‭ ‬كوسيط‭ ‬ذكي،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬التوازنات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭ ‬دون‭ ‬الانحياز‭ ‬الكامل‭ ‬لأي‭ ‬طرف‭.‬

 

إنهاء‭ ‬الثنائية‭ ‬التقليدية

دخول‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬هذا‭ ‬أنهى‭ ‬الثنائية‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا،‭ ‬مفسحا‭ ‬المجال‭ ‬لمعادلة‭ ‬ثلاثية‭ ‬تتطلب‭ ‬قراءات‭ ‬جديدة‭ ‬لأدوات‭ ‬الصراع‭. ‬الصين‭ ‬تتحدى‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬اقتصادياً‭ ‬وتكنولوجياً،‭ ‬بينما‭ ‬تسعى‭ ‬الهند‭ ‬لتعزيز‭ ‬دورها‭ ‬كمحور‭ ‬توازن،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬الخليج‭ ‬والغرب‭ ‬لتأمين‭ ‬مصالحها‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

 

الاستراتيجية‭ ‬الأميركية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهيمنة

أما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬فتستند‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لفرض‭ ‬قوتها‭ ‬ونفوذها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التنافس‭ ‬العالمي‭ ‬مع‭ ‬روسيا،‭ ‬الصين،‭ ‬والهند،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هيمنتها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭. ‬أولا،‭ ‬تعتمد‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬تفوقها‭ ‬المؤسسي‭ ‬والعسكري،‭ ‬مدعوماً‭ ‬بشبكة‭ ‬تحالفات‭ ‬قوية‭ ‬مثل‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬واتفاقيات‭ ‬ثنائية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬اليابان‭ ‬وأستراليا،‭ ‬مما‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬نشر‭ ‬قواتها‭ ‬وتأمين‭ ‬مصالحها‭ ‬عالميا‭. ‬ثانيا،‭ ‬تمتلك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تفوقاً‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني،‭ ‬والأنظمة‭ ‬الدفاعية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬الاستخبارات‭ ‬والمراقبة‭. ‬

ثالثا،‭ ‬تستخدم‭ ‬واشنطن‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬عبر‭ ‬الدولار‭ ‬والمؤسسات‭ ‬مثل‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬لفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تُضعف‭ ‬خصومها‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬نفوذ‭ ‬الصين‭. ‬رابعا،‭ ‬تسعى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الحيوية،‭ ‬مثل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وبحر‭ ‬الصين‭ ‬الجنوبي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجودها‭ ‬البحري‭ ‬القوي‭ ‬وحماية‭ ‬خطوط‭ ‬التجارة‭. ‬أخيراً،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬النفوذ‭ ‬الروسي‭ ‬والصيني‭ ‬عبر‭ ‬استراتيجيات‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬الهند،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬شريكا‭ ‬حيويا‭ ‬لموازنة‭ ‬القوى‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬شراكاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬لتأمين‭ ‬الطاقة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي‭. ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬تستطيع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعزيز‭ ‬هيمنتها،‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الناشئة،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مركزيتها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭.‬

 

الخليج‭ ‬لاعب‭ ‬جيوسياسي‭ ‬مؤثر

أما‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬ممرات‭ ‬عبور‭ ‬إلى‭ ‬لاعب‭ ‬فاعل،‭ ‬بفضل‭ ‬موقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬المركزي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬الشرق‭ ‬بالغرب،‭ ‬وقوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المدعومة‭ ‬باحتياطيات‭ ‬الطاقة،‭ ‬واستثماراتها‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬والتكنولوجيا‭. ‬كما‭ ‬تشمل‭ ‬مكامن‭ ‬قوتها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬ممرات‭ ‬تجارية‭ ‬حيوية،‭ ‬تنوع‭ ‬الشراكات‭ ‬الدولية،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والابتكار‭. ‬بفضل‭ ‬استقرارها‭ ‬السياسي‭ ‬النسبي‭ ‬ومواردها‭ ‬المالية،‭ ‬تستطيع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬السعودية‭ ‬والإمارات‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬الوسيط‭ ‬المحايد،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬علاقاتها‭ ‬المتوازنة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬الشريك‭ ‬الأمني‭ ‬التاريخي‭- ‬وروسيا‭ -‬شريك‭ ‬طاقة‭ ‬ودفاعي‭ ‬متنامي‭-. ‬كما‭ ‬تعزز‭ ‬مبادرات‭ ‬مثل‭ ‬رؤية‭ ‬السعودية‭ ‬2030‭ ‬ومشاريع‭ ‬الإمارات‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬مكانتها‭ ‬كمركز‭ ‬لصناعة‭ ‬المعايير‭ ‬اللوجستية‭ ‬والتقنية‭.‬

 

الخليج‭ ‬كوسيط‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى

يمتلك‭ ‬الخليج‭ ‬أوراق‭ ‬قوة‭ ‬إضافية‭ ‬كوسيط‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وموسكو،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬علاقاته‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القوية‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬كشريك‭ ‬تجاري‭ ‬رئيسي‭ ‬والشراكات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬الهند‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭. ‬تتيح‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬للخليج‭ ‬تهدئة‭ ‬التوترات‭ ‬وتسهيل‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬مع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬كمركز‭ ‬لوجستي‭ ‬وتجاري‭ ‬لتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬عبر‭ ‬الممرات‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬الهند‭ ‬بالخليج‭ ‬والمتوسط‭.‬

 

سيناريوهات‭ ‬المستقبل‭ ‬المفتوحة

أمام‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬تبدو‭ ‬الخيارات‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬سيناريوهات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬سلام‭ ‬بارد‭ ‬يخضع‭ ‬لقواعد‭ ‬اشتباك‭ ‬واضحة،‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬تجزؤ‭ ‬متعدد‭ ‬الأقطاب‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬منظومات‭ ‬معيارية‭ ‬ومالية‭ ‬متوازية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقدّم‭ ‬الصين‭ ‬بثقلها‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وتستغل‭ ‬الهند‭ ‬موقعها‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬توازنات‭ ‬بديلة‭.‬

 

تحولات‭ ‬الخليج‭ ‬نحو‭ ‬صناعة‭ ‬القيمة

تعي‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬تحولها‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬ممر‭ ‬عبور‭ ‬إلى‭ ‬لاعب‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬المسارات‭ ‬يعني‭ ‬التحول‭ ‬التدريجي‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬لصناعة‭ ‬القيمة‭ ‬اللوجستية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬تحوط‭ ‬ذكي،‭ ‬تنويع‭ ‬الشراكات،‭ ‬وتصدير‭ ‬المعايير‭ ‬التقنية‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭. ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الاصطفاف‭ ‬العالمي،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬بناء‭ ‬مظلات‭ ‬إقليمية،‭ ‬توطين‭ ‬التقنية،‭ ‬واستثمار‭ ‬في‭ ‬ممرات‭ ‬تربط‭ ‬الهند‭ ‬بالخليج‭ ‬والمتوسط،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬مرونة‭ ‬القرار‭ ‬السيادي‭ ‬وتحصين‭ ‬مصالح‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬ارتدادات‭ ‬مفاجئة‭. ‬

 

‭*‬مستشار‭ ‬سياسي‭ ‬بحريني