كيف ستغيّر القمة قواعد اللعبة؟

شطرنج البرميل والقمح... آسيان تترقّب قمة ألاسكا

| عبدالله بوقس

بين‭ ‬العقوبات‭ ‬وأسعار‭ ‬الغذاء‮…‬‭ ‬اقتصادات‭ ‬آسيان‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬تداعيات‭ ‬القمة من‭ ‬ممرات‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬القمح‮…‬‭ ‬ألاسكا‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬اللعبة‭ ‬الجيو‭ ‬–‭ ‬اقتصادية

كما‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬الشطرنج‭ ‬تُحرك‭ ‬فيها‭ ‬البيادق‭ ‬ببطء‭ ‬وحذر،‭ ‬تستعد‭ ‬ألاسكا‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬أغسطس‭ ‬2025‭ ‬لاستضافة‭ ‬قمة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬ونظيره‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬لبحث‭ ‬إمكانية‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬وقف‭ ‬لإطلاق‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬محادثات‭ ‬بين‭ ‬زعيمي‭ ‬البلدين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2021‭. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬رقعة‭ ‬اللعب‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬مربعات‭ ‬بيضاء‭ ‬وسوداء‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬ممرات‭ ‬بحرية‭ ‬تمتد‭ ‬بين‭ ‬خطوط‭ ‬براميل‭ ‬النفط‭ ‬ومسارات‭ ‬القمح،‭ ‬وتلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬موانئ‭ ‬العالم‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬سنغافورة‭ ‬النابضة‭ ‬بالحركة،‭ ‬وأسواق‭ ‬مانيلا‭ ‬الصاخبة،‭ ‬والمراكز‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬أرخبيل‭ ‬إندونيسيا‭ ‬الممسك‭ ‬بشرايين‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية‭.‬

هذه‭ ‬القمة‭ ‬ليست‭ ‬بروتوكولًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬اعتياديًا،‭ ‬بل‭ ‬جولة‭ ‬أعصاب‭ ‬يُعاد‭ ‬فيها‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬السوق‭ ‬العالمي‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬حركة‭ ‬محسوبة‭. ‬فالقطع‭ ‬لا‭ ‬تتحرك‭ ‬دافع‭ ‬المجد‭ ‬السياسي‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬أرقام‭ ‬التضخم،‭ ‬وتقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬البرميل،‭ ‬ومؤشرات‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬فيما‭ ‬تتحول‭ ‬القرارات‭ ‬في‭ ‬ألاسكا‭ ‬إلى‭ ‬موجات‭ ‬تضرب‭ ‬أسواق‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬دول‭ ‬منطقة‭ ‬رابطة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ (‬آسيان‭) ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلامس‭ ‬شواطئ‭ ‬دولها‭ ‬العشر‭. ‬ومع‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬روسيا‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬والمتصاعدة‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬يكتسب‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية،‭ ‬إذ‭ ‬تترقب‭ ‬آسيان‭ ‬مخرجاته‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬والحبوب‭.‬

لعبة‭ ‬القوى‭ ‬الجيو–اقتصادية

منذ‭ ‬انضمام‭ ‬روسيا‭ ‬كشريك‭ ‬حوار‭ ‬رسمي‭ ‬لرابطة‭ ‬آسيان‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬1996،‭ ‬نسجت‭ ‬موسكو‭ ‬خيوط‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وسياسية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭. ‬وبعد‭ ‬حضور‭ ‬محدود‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية،‭ ‬شهد‭ ‬العقد‭ ‬الثاني‭ ‬تحوّلًا‭ ‬نوعيًا‭ ‬منذ‭ ‬2010،‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬الشراكات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬رغم‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية‭. ‬ووفق‭ ‬أرقام‭ ‬الأمانة‭ ‬العامة‭ ‬لآسيان،‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬18‭.‬2‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬2019‭. ‬فيما‭ ‬ارتفع‭ ‬بنسبة‭ ‬14‭.‬6‭ % ‬عام‭ ‬2023‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬22‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬مطلع‭ ‬2024،‭ ‬بحسب‭ ‬وزارة‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الروسية‭.‬

هذا‭ ‬الحراك‭ ‬لن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الأرقام،‭ ‬بل‭ ‬ستعكسه‭ ‬الزيارات‭ ‬رفيعة‭ ‬المستوى؛‭ ‬ففي‭ ‬يوليو‭ ‬2024،‭ ‬زار‭ ‬رئيس‭ ‬إندونيسيا‭ ‬برابو‭ ‬سوبينتو‭ ‬موسكو‭ ‬ووقّع‭ ‬اتفاق‭ ‬شراكة‭ ‬استراتيجية،‭ ‬وتبعه‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬ماليزيا‭ ‬أنور‭ ‬إبراهيم‭ ‬في‭ ‬مايو‭ ‬2025،‭ ‬ثم‭ ‬ملك‭ ‬ماليزيا‭ ‬السلطان‭ ‬إبراهيم‭ ‬إسكندر‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬الجاري،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زيارة‭ ‬بوتين‭ ‬إلى‭ ‬فيتنام‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2024‭ ‬لتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬والتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬آسيا–المحيط‭ ‬الهادئ،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬مساعي‭ ‬موسكو‭ ‬لتعميق‭ ‬روابطها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬آسيان‭ ‬الأخرى‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المختلفة‭.‬

أما‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فقد‭ ‬امتدت‭ ‬شراكتها‭ ‬مع‭ ‬آسيان‭ ‬منذ‭ ‬أوائل‭ ‬السبعينيات،‭ ‬واكتسبت‭ ‬طابعًا‭ ‬مؤسسيًا‭ ‬مع‭ ‬انضمامها‭ ‬كشريك‭ ‬حوار‭ ‬رسمي‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬1977‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬لعبت‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬البحري،‭ ‬وتوسيع‭ ‬التجارة‭ ‬الحرة،‭ ‬والتعاون‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭ ‬المتجددة‭. ‬ووفق‭ ‬مكتب‭ ‬الممثل‭ ‬التجاري‭ ‬الأميركي،‭ ‬بلغ‭ ‬حجم‭ ‬التجارة‭ ‬مع‭ ‬آسيان‭ ‬571‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬عام‭ ‬2024‭ (+‬13.4‭ %)‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬الشريك‭ ‬الأوسع‭ ‬نطاقًا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الروابط‭ ‬التجارية‭ ‬والاستثمارية‭. ‬

هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬وأهمية‭ ‬المبادلات‭ ‬تمنح‭ ‬واشنطن‭ ‬أفضلية‭ ‬واضحة،‭ ‬وتفسر‭ ‬حرص‭ ‬عواصم‭ ‬آسيان‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬مخرجات‭ ‬قمة‭ ‬ألاسكا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لقياس‭ ‬أثرها‭ ‬على‭ ‬نظام‭ ‬العقوبات،‭ ‬بل‭ ‬لتحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬ستشكل‭ ‬نقطة‭ ‬كسر‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬توازن‭ ‬القوة‭ ‬بين‭ ‬جناحي‭ ‬الحوار‭ ‬الكبيرين،‭ ‬أم‭ ‬لحظة‭ ‬تثبيت‭ ‬تبقي‭ ‬رقعة‭ ‬الشطرنج‭ ‬على‭ ‬حالها‭.‬

انعكاسات‭ ‬الغذاء‭ ‬والأسعار‭ ‬على‭ ‬آسيان

ورغم‭ ‬أنّ‭ ‬القمة‭ ‬مرسومة‭ ‬على‭ ‬خرائط‭ ‬الطاقة‭ ‬والعقوبات،‭ ‬حيث‭ ‬سجّلت‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬يتجاوز‭ ‬50‭ % ‬منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية–الأوكرانية‭ ‬وفقًا‭ ‬لبيانات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬فإن‭ ‬أصداءها‭ ‬تتردد‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬القمح‭ ‬والزيوت‭. ‬فالتوترات‭ ‬الجيو–اقتصادية‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬حبيسة‭ ‬غرف‭ ‬التفاوض،‭ ‬بل‭ ‬تتسرب‭ ‬إلى‭ ‬مؤشرات‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬آسيان،‭ ‬حيث‭ ‬تتحرك‭ ‬موائد‭ ‬الملايين‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬خطوط‭ ‬الملاحة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تتأثر‭ ‬بقرارات‭ ‬العقوبات‭.‬

في‭ ‬يوليو‭ ‬2025،‭ ‬ارتفع‭ ‬مؤشر‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬لدى‭ ‬منظمة‭ (‬الفاو‭) ‬إلى‭ ‬130ر1‭ ‬نقطة‭ (+‬1ر6‭% ‬شهريًا‭)‬،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بزيادة‭ ‬أسعار‭ ‬اللحوم‭ ‬والزيوت‭ ‬النباتية،‭ ‬رغم‭ ‬تراجع‭ ‬طفيف‭ ‬في‭ ‬الحبوب‭. ‬وهو‭ ‬أعلى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬فبراير‭ ‬2023،‭ ‬وإن‭ ‬ظل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذروة‭ ‬مارس‭ ‬2022‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭. ‬هذه‭ ‬الخلفية‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬وزارات‭ ‬المالية‭ ‬والزراعة‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬العشر‭ ‬لآسيان،‭ ‬وهي‭ ‬تعيد‭ ‬ضبط‭ ‬دعم‭ ‬الخبز‭ ‬والزيوت‭ ‬وتكاليف‭ ‬النقل‭.‬

نجحت‭ ‬سنغافورة‭ ‬في‭ ‬خفض‭ ‬التضخم‭ ‬الأساسي‭ ‬إلى‭ ‬0‭.‬6‭ % ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬2025،‭ ‬وأبقت‭ ‬التضخم‭ ‬العام‭ ‬عند‭ ‬0‭.‬8‭ %‬،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬عملتها‭ ‬واستقرار‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭. ‬وفي‭ ‬ماليزيا،‭ ‬تراجع‭ ‬التضخم‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬1‭.‬1‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬منذ‭ ‬نحو‭ ‬أربع‭ ‬سنوات،‭ ‬فيما‭ ‬سجلت‭ ‬مجموعة‭ ‬الأغذية‭ ‬والمشروبات‭ ‬ارتفاعًا‭ ‬بنسبة‭ ‬2‭.‬1‭ %‬،‭ ‬ما‭ ‬عكس‭ ‬انتقال‭ ‬التكاليف‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬الضيافة‭. ‬أما‭ ‬الفلبين،‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬انخفاضًا‭ ‬حادًا‭ ‬في‭ ‬التضخم‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬0‭.‬9‭ % ‬في‭ ‬يوليو،‭ ‬وهو‭ ‬الأدنى‭ ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2019،‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بتراجع‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬والطاقة،‭ ‬رغم‭ ‬بقاء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عرضة‭ ‬لتقلبات‭ ‬أسواق‭ ‬السلع‭ ‬الغذائية‭.‬

وفي‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأكبر،‭ ‬كانت‭ ‬تحركات‭ ‬سوق‭ ‬الحبوب‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬في‭ ‬المشهد؛‭ ‬ففي‭ ‬إندونيسيا،‭ ‬بلغ‭ ‬التضخم‭ ‬السنوي‭ ‬1‭.‬87‭ % ‬في‭ ‬يونيو،‭ ‬مع‭ ‬تسجيل‭ ‬انكماش‭ ‬شهري‭ ‬بنسبة‭ ‬0‭.‬19‭ % ‬نتيجة‭ ‬تراجع‭ ‬بعض‭ ‬الأسعار،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬من‭ ‬أسعار‭ ‬الأرز‭ ‬والخضروات‭. ‬أما‭ ‬تايلاند،‭ ‬فسجّلت‭ ‬انكماشًا‭ ‬سنويًا‭ ‬بنسبة‭ ‬−0.7‭ % ‬في‭ ‬يوليو،‭ ‬وهو‭ ‬الانخفاض‭ ‬الرابع‭ ‬على‭ ‬التوالي،‭ ‬بفعل‭ ‬تراجع‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الزراعية‭ ‬والطاقة،‭ ‬مما‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬هوامش‭ ‬المزارعين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬حافظ‭ ‬التضخم‭ ‬الأساسي‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬0‭.‬84‭ %. ‬وفي‭ ‬فيتنام،‭ ‬بلغ‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭ ‬السنوي‭ ‬حتى‭ ‬يوليو‭ ‬3‭.‬26‭ %‬،‭ ‬بينما‭ ‬سجل‭ ‬التضخم‭ ‬الأساسي‭ ‬3‭.‬18‭ %‬،‭ ‬رغم‭ ‬كونها‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬مصدري‭ ‬الأرز‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أظهرت‭ ‬بروناي‭ ‬وكمبوديا‭ ‬ولاوس‭ ‬أنماطًا‭ ‬متباينة،‭ ‬تراوحت‭ ‬بين‭ ‬الانكماش‭ ‬والتضخم‭ ‬المعتدل‭ ‬والمرتفع‭.‬

وهكذا‭ ‬تبقى‭ ‬اقتصادات‭ ‬آسيان‭ ‬عالقة‭ ‬بين‭ ‬تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والحبوب،‭ ‬حيث‭ ‬تتحكم‭ ‬كلفة‭ ‬النقل‭ ‬وأسعار‭ ‬البرميل‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬الحكومات‭ ‬معضلة‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬حماية‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬تضخم‭ ‬عالمية‭ ‬متقلبة‭ ‬التأثير،‭ ‬وتجنب‭ ‬الركود‭ ‬أو‭ ‬الانكماش‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يهدد‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

سيناريوهات‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬ألاسكا

على‭ ‬رقعة‭ ‬آسيان‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬يتحرك‭ ‬القمح‭ ‬وبرميل‭ ‬النفط‭ ‬كقطع‭ ‬شطرنج‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬التوقف،‭ ‬فكل‭ ‬موجة‭ ‬صعود‭ ‬أو‭ ‬هبوط‭ ‬في‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬ترسل‭ ‬ارتجافاتها‭ ‬إلى‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء،‭ ‬فيما‭ ‬تتسلل‭ ‬تقلبات‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬كلفة‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تستقر‭ ‬على‭ ‬رفوف‭ ‬المتاجر‭.‬

وفي‭ ‬الأفق،‭ ‬تلوح‭ ‬قمة‭ ‬ألاسكا‭ ‬كاختبار‭ ‬حاسم‭: ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬العقوبات‭ ‬إلى‭ ‬ورقة‭ ‬تفاوض‭ ‬تخفف‭ ‬رسوم‭ ‬المخاطر‭ ‬وتفتح‭ ‬مسارات‭ ‬لوجستية‭ ‬أرخص،‭ ‬أو‭ ‬تترسخ‭ ‬كسلاح‭ ‬دائم‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬موانئ‭ ‬العالم‭ ‬والإقليم،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬جاكرتا‭ ‬ومانيلا‭ ‬وهانوي‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬والمفاوضات‭ ‬الجارية،‭ ‬تجد‭ ‬العواصم‭ ‬العشر‭ ‬في‭ ‬آسيان‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭: ‬تفاهم‭ ‬مرحلي‭ ‬قد‭ ‬ينعش‭ ‬اقتصاداتها،‭ ‬أو‭ ‬جمود‭ ‬يرسخ‭ ‬الحصار‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬وكوبا،‭ ‬أو‭ ‬صمت‭ ‬لا‭ ‬يجلب‭ ‬إلا‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الترقب‭. ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬صياغة‭ ‬حياد‭ ‬ذكي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ترتيبات‭ ‬دفع‭ ‬محلية،‭ ‬وشبكات‭ ‬بديلة،‭ ‬وخطط‭ ‬غذائية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭.‬

هنا،‭ ‬على‭ ‬رقعة‭ ‬الشطرنج‭ ‬العالمية،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬المكانة‭ ‬بعلو‭ ‬الأصوات‭ ‬ولا‭ ‬باندفاع‭ ‬البيادق،‭ ‬بل‭ ‬بمهارة‭ ‬اللاعب‭ ‬في‭ ‬تطويع‭ ‬الزمن،‭ ‬وقراءة‭ ‬أنفاس‭ ‬خصمه،‭ ‬وإعادة‭ ‬رسم‭ ‬خطته‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬تبدّل‭ ‬في‭ ‬ملامح‭ ‬الرقعة‭. ‬فالقمة،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تُسقط‭ ‬ملكًا‭ ‬أو‭ ‬ترفع‭ ‬راية‭ ‬نصر،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تموضع‭ ‬القطع،‭ ‬وكشف‭ ‬مسارات‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬العيون،‭ ‬وزرع‭ ‬احتمالات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬اللعبة،‭ ‬بما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والسياسة‭ ‬العالمية،‭ ‬ويفتح‭ ‬أبوابًا‭ ‬لتحولات‭ ‬قد‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خريطة‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭.‬

 

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور