شطرنج البرميل والقمح... آسيان تترقّب قمة ألاسكا
| عبدالله بوقس
بين العقوبات وأسعار الغذاء… اقتصادات آسيان في مرمى تداعيات القمة من ممرات النفط إلى أسواق القمح… ألاسكا ترسم ملامح اللعبة الجيو – اقتصاديةكما في لعبة الشطرنج تُحرك فيها البيادق ببطء وحذر، تستعد ألاسكا في الخامس عشر من أغسطس 2025 لاستضافة قمة مباشرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، لبحث إمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا، في أول محادثات بين زعيمي البلدين منذ عام 2021. غير أنّ رقعة اللعب هذه لا تتشكل من مربعات بيضاء وسوداء فحسب، بل من ممرات بحرية تمتد بين خطوط براميل النفط ومسارات القمح، وتلقي بظلالها على موانئ العالم بما في ذلك سنغافورة النابضة بالحركة، وأسواق مانيلا الصاخبة، والمراكز المالية في كوالالمبور، وصولًا إلى أرخبيل إندونيسيا الممسك بشرايين التجارة البحرية.
هذه القمة ليست بروتوكولًا سياسيًا اعتياديًا، بل جولة أعصاب يُعاد فيها رسم ملامح السوق العالمي مع كل حركة محسوبة. فالقطع لا تتحرك دافع المجد السياسي وحده، بل تحت وطأة أرقام التضخم، وتقلبات أسعار البرميل، ومؤشرات الأمن الغذائي، فيما تتحول القرارات في ألاسكا إلى موجات تضرب أسواق العالم من بينها دول منطقة رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) قبل أن تلامس شواطئ دولها العشر. ومع العقوبات الغربية المفروضة على روسيا منذ عام 2014، والمتصاعدة عقب اندلاع حرب أوكرانيا في فبراير 2022، يكتسب هذا اللقاء أهمية استثنائية، إذ تترقب آسيان مخرجاته لما قد تحمله من انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والحبوب.
لعبة القوى الجيو–اقتصادية
منذ انضمام روسيا كشريك حوار رسمي لرابطة آسيان في يوليو 1996، نسجت موسكو خيوط علاقات اقتصادية وسياسية مع دول جنوب شرق آسيا. وبعد حضور محدود في العقد الأول من الألفية، شهد العقد الثاني تحوّلًا نوعيًا منذ 2010، مع تعزيز الشراكات الاقتصادية رغم العقوبات الغربية. ووفق أرقام الأمانة العامة لآسيان، بلغ حجم التجارة 18.2 مليار دولار عام 2019. فيما ارتفع بنسبة 14.6 % عام 2023 ليصل إلى نحو 22 مليار دولار مطلع 2024، بحسب وزارة التنمية الاقتصادية الروسية.
هذا الحراك لن يقتصر على الأرقام، بل ستعكسه الزيارات رفيعة المستوى؛ ففي يوليو 2024، زار رئيس إندونيسيا برابو سوبينتو موسكو ووقّع اتفاق شراكة استراتيجية، وتبعه رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم في مايو 2025، ثم ملك ماليزيا السلطان إبراهيم إسكندر في أغسطس الجاري، إلى جانب زيارة بوتين إلى فيتنام في يونيو 2024 لتعزيز الأمن والتعاون الاقتصادي في آسيا–المحيط الهادئ، فضلًا عن مساعي موسكو لتعميق روابطها مع دول آسيان الأخرى عبر القنوات الدبلوماسية في المجالات المختلفة.
أما الولايات المتحدة، فقد امتدت شراكتها مع آسيان منذ أوائل السبعينيات، واكتسبت طابعًا مؤسسيًا مع انضمامها كشريك حوار رسمي في يوليو 1977. ومنذ ذلك الحين، لعبت دورًا محوريًا في الأمن البحري، وتوسيع التجارة الحرة، والتعاون في التكنولوجيا والطاقة المتجددة. ووفق مكتب الممثل التجاري الأميركي، بلغ حجم التجارة مع آسيان 571.7 مليار دولار عام 2024 (+13.4 %)، ما يجعلها الشريك الأوسع نطاقًا من حيث الروابط التجارية والاستثمارية.
هذه الفجوة في حجم وأهمية المبادلات تمنح واشنطن أفضلية واضحة، وتفسر حرص عواصم آسيان على مراقبة مخرجات قمة ألاسكا، ليس فقط لقياس أثرها على نظام العقوبات، بل لتحديد ما إذا كانت ستشكل نقطة كسر تعيد رسم توازن القوة بين جناحي الحوار الكبيرين، أم لحظة تثبيت تبقي رقعة الشطرنج على حالها.
انعكاسات الغذاء والأسعار على آسيان
ورغم أنّ القمة مرسومة على خرائط الطاقة والعقوبات، حيث سجّلت أسعار الطاقة ارتفاعًا يتجاوز 50 % منذ اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية وفقًا لبيانات البنك الدولي، فإن أصداءها تتردد كذلك في أسواق القمح والزيوت. فالتوترات الجيو–اقتصادية لا تبقى حبيسة غرف التفاوض، بل تتسرب إلى مؤشرات الغذاء في آسيان، حيث تتحرك موائد الملايين على إيقاع خطوط الملاحة بقدر ما تتأثر بقرارات العقوبات.
في يوليو 2025، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء لدى منظمة (الفاو) إلى 130ر1 نقطة (+1ر6% شهريًا)، مدفوعًا بزيادة أسعار اللحوم والزيوت النباتية، رغم تراجع طفيف في الحبوب. وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2023، وإن ظل أقل من ذروة مارس 2022 عقب اندلاع الحرب. هذه الخلفية تلقي بظلالها على سياسات وزارات المالية والزراعة في العواصم العشر لآسيان، وهي تعيد ضبط دعم الخبز والزيوت وتكاليف النقل.
نجحت سنغافورة في خفض التضخم الأساسي إلى 0.6 % في يونيو 2025، وأبقت التضخم العام عند 0.8 %، مستفيدة من قوة عملتها واستقرار سلاسل الإمداد. وفي ماليزيا، تراجع التضخم العام إلى 1.1 %، وهو أدنى مستوى منذ نحو أربع سنوات، فيما سجلت مجموعة الأغذية والمشروبات ارتفاعًا بنسبة 2.1 %، ما عكس انتقال التكاليف إلى قطاع الضيافة. أما الفلبين، فقد شهدت انخفاضًا حادًا في التضخم العام إلى 0.9 % في يوليو، وهو الأدنى منذ أكتوبر 2019، مدفوعًا بتراجع أسعار الغذاء والطاقة، رغم بقاء الاقتصاد عرضة لتقلبات أسواق السلع الغذائية.
وفي الاقتصادات الأكبر، كانت تحركات سوق الحبوب العامل الحاسم في المشهد؛ ففي إندونيسيا، بلغ التضخم السنوي 1.87 % في يونيو، مع تسجيل انكماش شهري بنسبة 0.19 % نتيجة تراجع بعض الأسعار، رغم استمرار الضغوط من أسعار الأرز والخضروات. أما تايلاند، فسجّلت انكماشًا سنويًا بنسبة −0.7 % في يوليو، وهو الانخفاض الرابع على التوالي، بفعل تراجع أسعار السلع الزراعية والطاقة، مما ضغط على هوامش المزارعين، في حين حافظ التضخم الأساسي على مستوى 0.84 %. وفي فيتنام، بلغ معدل التضخم السنوي حتى يوليو 3.26 %، بينما سجل التضخم الأساسي 3.18 %، رغم كونها أحد كبار مصدري الأرز في العالم. في المقابل، أظهرت بروناي وكمبوديا ولاوس أنماطًا متباينة، تراوحت بين الانكماش والتضخم المعتدل والمرتفع.
وهكذا تبقى اقتصادات آسيان عالقة بين تقلبات أسعار الطاقة والحبوب، حيث تتحكم كلفة النقل وأسعار البرميل في أسعار الغذاء، بينما تواجه الحكومات معضلة الموازنة بين حماية المواطنين من موجات تضخم عالمية متقلبة التأثير، وتجنب الركود أو الانكماش الذي قد يهدد النشاط الاقتصادي.
سيناريوهات ما بعد ألاسكا
على رقعة آسيان الاقتصادية، يتحرك القمح وبرميل النفط كقطع شطرنج لا تعرف التوقف، فكل موجة صعود أو هبوط في تكاليف الطاقة والنقل ترسل ارتجافاتها إلى أسعار الغذاء، فيما تتسلل تقلبات أسواق النفط إلى كلفة الشحن والتأمين قبل أن تستقر على رفوف المتاجر.
وفي الأفق، تلوح قمة ألاسكا كاختبار حاسم: فإما أن تتحول العقوبات إلى ورقة تفاوض تخفف رسوم المخاطر وتفتح مسارات لوجستية أرخص، أو تترسخ كسلاح دائم يثقل كاهل موانئ العالم والإقليم، خاصة في جاكرتا ومانيلا وهانوي.
وفي ظل الحرب في أوكرانيا والمفاوضات الجارية، تجد العواصم العشر في آسيان نفسها أمام مفترق طرق: تفاهم مرحلي قد ينعش اقتصاداتها، أو جمود يرسخ الحصار كما حدث مع إيران وكوبا، أو صمت لا يجلب إلا مزيدًا من الترقب. هذا الواقع يفرض عليها صياغة حياد ذكي يقوم على ترتيبات دفع محلية، وشبكات بديلة، وخطط غذائية طويلة الأجل.
هنا، على رقعة الشطرنج العالمية، لا تُقاس المكانة بعلو الأصوات ولا باندفاع البيادق، بل بمهارة اللاعب في تطويع الزمن، وقراءة أنفاس خصمه، وإعادة رسم خطته مع كل تبدّل في ملامح الرقعة. فالقمة، وإن لم تُسقط ملكًا أو ترفع راية نصر، قادرة على إعادة تموضع القطع، وكشف مسارات كانت غائبة عن العيون، وزرع احتمالات جديدة في صميم اللعبة، بما ينعكس على توازنات الاقتصاد والسياسة العالمية، ويفتح أبوابًا لتحولات قد تعيد رسم خريطة المصالح بين القوى الكبرى.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور