روسيا بين إرث القتال وطموح الأجيال الجديدة

من وحي رؤية الطبيب الياباني ناكامورا... جذور النزاعات في العالم تعود لازدواجية المجتمع الدولي

| البروفيسور المؤمن عبدالله

الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الروس‭ ‬لا‭ ‬يحبذ‭ ‬الفكرة‭ ‬التقليدية‭ ‬بأن‭ ‬روسيا‭ ‬“وُلدت‭ ‬لتقاتل” من‭ ‬عقيدة‭ ‬الحرب‭ ‬إلى‭ ‬التفاهم‭ ‬المتبادل‭: ‬أي‭ ‬مستقبل‭ ‬ينتظر‭ ‬الروس؟‭ ‬

 

تتجلى‭ ‬الازدواجية‭ ‬في‭ ‬المعايير‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬روسيا‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬

أيضًا‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الرفض‭ ‬الدولي‭ ‬لغزو‭ ‬روسيا‭ ‬لأوكرانيا،‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬قبولًا‭ ‬لتدخلها‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬واعتبار‭ ‬الهجمات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬مسألة‭ ‬مختلفة‭ ‬تمامًا‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الأمثلة‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سلسلة‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬من‭ ‬ازدواجية‭ ‬المعايير‭ ‬غير‭ ‬العادلة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭.‬

أتذكر‭ ‬هنا‭ ‬كلمات‭ ‬الطبيب‭ ‬الياباني‭ ‬تِتسو‭ ‬ناكامورا،‭ ‬الذي‭ ‬قُتل‭ ‬في‭ ‬أفغانستان‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تعود‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬أشكال‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬الازدواجية‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬وكان‭ ‬ينتقد‭ ‬ذلك‭ ‬باستمرار‭. ‬فبعد‭ ‬هجمات‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬شنت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭ ‬غارات‭ ‬جوية‭ ‬على‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وانتقد‭ ‬ناكامورا‭ ‬حينها‭ ‬اعتماد‭ ‬الدولة‭ ‬العظمى‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لحل‭ ‬الأزمات‭. ‬كما‭ ‬عارض‭ ‬إرسال‭ ‬قوات‭ ‬الدفاع‭ ‬الذاتي‭ ‬اليابانية‭ ‬إلى‭ ‬أفغانستان،‭ ‬واعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬خطوة‭ ‬“ضارة‭ ‬بلا‭ ‬فائدة”‭.‬

المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬النفاق‭. ‬فحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والمساواة‭ ‬والحرية‭ ‬التي‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬الغرب،‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬إلا‭ ‬شكلًا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الرياء‭.‬

ربما‭ ‬تُعد‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬النادرة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬روسيا‭ ‬الممتد‭ ‬لألف‭ ‬عام،‭ ‬حيث‭ ‬دخلت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬حليف‭. ‬عادةً‭ ‬حققت‭ ‬روسيا‭ ‬انتصارات‭ ‬ونجاحات‭ ‬في‭ ‬مواجهاتها‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬أوروبا،‭ ‬لأنها‭ ‬كانت‭ ‬تستفيد‭ ‬ببراعة‭ ‬من‭ ‬تحالفاتها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تقسيم‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬“أعداء”‭ ‬و“حلفاء”‭. ‬أحيانًا‭ ‬كان‭ ‬الحلفاء‭ ‬يصبحون‭ ‬أعداء،‭ ‬والعكس‭ ‬كذلك‭. ‬لطالما‭ ‬سادت‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬لعبة‭ ‬تقسيم‭ ‬القارة‭ ‬إلى‭ ‬معسكرين‭: ‬مؤيد‭ ‬لروسيا‭ ‬ومعادٍ‭ ‬لها‭.‬

ولكن‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬تخوض‭ ‬روسيا‭ ‬المعركة‭ ‬وحيدة‭ ‬بلا‭ ‬حلفاء،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الوضع‭ ‬كارثيًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭. ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إقناع‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الدولي‭ ‬بحججها‭ ‬مثل‭ ‬“حماية‭ ‬الأمن‭ ‬القومي”‭ ‬أو‭ ‬“القضاء‭ ‬على‭ ‬النازية”‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الإعلام‭.‬

وكما‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬الكُتاب‭ ‬الروس‭: ‬“روسيا‭ ‬دولة‭ ‬وُلدت‭ ‬لتقاتل‭.‬”‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬تاريخ‭ ‬الحروب‭ ‬والإحصاءات‭ ‬التي‭ ‬مرّت‭ ‬بها‭ ‬روسيا‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬عام،‭ ‬نجد‭ ‬أنها‭ ‬ثاني‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬دخولًا‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬بعد‭ ‬فرنسا‭. ‬عند‭ ‬مقارنة‭ ‬عدد‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬السلام‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة‭.‬

لذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحرب‭ ‬ليست‭ ‬شيئًا‭ ‬استثنائيًا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬روسيا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬الحرب‭ ‬بالنسبة‭ ‬لروسيا‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬أو‭ ‬منظومة،‭ ‬تتغير‭ ‬وظيفتها‭ ‬بين‭ ‬الدفاعية‭ ‬والهجومية‭ ‬حسب‭ ‬الظروف‭ ‬والزمان‭.‬

هذه‭ ‬التأثيرات‭ ‬العسكرية‭ ‬والتاريخية‭ ‬للحروب‭ ‬تظهر‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬ذهنية‭ ‬الروس‭ ‬وعقليتهم‭. ‬عند‭ ‬التعمق‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الروس،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬عناصر‭ ‬التمجيد‭ ‬والاحتفاء‭ ‬بالجانب‭ ‬العسكري‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬احتفالات‭ ‬تقدير‭ ‬قدامى‭ ‬المحاربين،‭ ‬أو‭ ‬الأعياد‭ ‬التي‭ ‬تحتفل‭ ‬بالأحداث‭ ‬العسكرية‭ ‬والتاريخية‭ (‬الانتصارات‭ ‬والحروب‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬الشوارع‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬أسماء‭ ‬قادة‭ ‬عسكريين‭ ‬عظماء،‭ ‬أو‭ ‬المتاحف‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬تزينها‭ ‬رموز‭ ‬الانتصار‭ ‬والجيش‭.‬

ومثلما‭ ‬تغير‭ ‬الثقافة‭ ‬معنى‭ ‬الحرب،‭ ‬يتغير‭ ‬فهمنا‭ ‬لها‭ ‬أيضًا‭. ‬لذا،‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نتعرف‭ ‬جيدًا‭ ‬على‭ ‬معانيها‭ ‬المتبادلة‭ ‬ونفهمها‭. ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الجهد‭ ‬نحو‭ ‬“التفاهم‭ ‬المتبادل”‭ (‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الفهم‭ ‬المشترك‭) ‬ضروريًا‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭.‬

أما‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬تواجهه‭ ‬روسيا‭ ‬الآن‭ ‬وسيظل‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬فهو‭ ‬أن‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الروس‭ ‬لا‭ ‬يحبذ‭ ‬الفكرة‭ ‬التقليدية‭ ‬بأن‭ ‬روسيا‭ ‬“وُلدت‭ ‬لتقاتل”،‭ ‬بل‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬روسيا‭ ‬دولة‭ ‬تعيش‭ ‬وتستمتع‭ ‬بالحضارة‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬الغربية‭. ‬أعتقد‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬استمرت‭ ‬الحروب،‭ ‬فلن‭ ‬يتغير‭ ‬وعي‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬الشاب‭. ‬هل‭ ‬سيظل‭ ‬الروس‭ ‬أسرى‭ ‬للأفكار‭ ‬والتقاليد‭ ‬القديمة،‭ ‬أم‭ ‬سيبنون‭ ‬مجتمعًا‭ ‬جديدًا‭ ‬متعدد‭ ‬الأشكال‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬مستقبل‭ ‬متنوع؟‭ ‬يجدر‭ ‬بنا‭ ‬أن‭ ‬نتابع‭ ‬خيارات‭ ‬وسلوكيات‭ ‬الروس،‭ ‬والأوكرانيين،‭ ‬بل‭ ‬وجميع‭ ‬الأوروبيين‭. ‬

 

‭* ‬أستاذ‭ ‬الدراسات‭ ‬اليابانية‭ ‬والترجمة‭ ‬بجامعة‭ ‬طوكاي‭ ‬اليابانية