يعيد رسم مشهد التفاوض

الإعلام بين التهويل والتهدئة.. قراءة في قمة ألاسكا المرتقبة

| محمد الراشد

الإعلام‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬النتائج‭ ‬قبل‭ ‬صدورها مواجهة‭ ‬سياسية‭ ‬واختبار‭ ‬لمصداقية‭ ‬الإعلام‭ ‬العالمي

 

عندما‭ ‬يلتقي‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬ونظيره‭ ‬الروسي‭ ‬منتصف‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬في‭ ‬ألاسكا،‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬التفاوض‭ ‬محصوراً‭ ‬بين‭ ‬جدران‭ ‬قاعة‭ ‬الاجتماعات‭ ‬،‭ ‬ثمة‭ ‬طرف‭ ‬ثالث‭ ‬حاضر‭ ‬بقوة‭ ‬و‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬مخرجات‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬وعي‭ ‬الجماهير‭ ‬وهو‭ ‬الإعلام‭.‬

هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وتداخل‭ ‬الملفات‭ ‬الدولية،‭ ‬يكشف‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬مرآة‭ ‬للأحداث‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬لاعباً‭ ‬سياسياً‭ ‬موازياً‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬بيئة‭ ‬التفاوض‭ ‬أو‭ ‬تقويضها‭.‬

منذ‭ ‬إعلان‭ ‬موعد‭ ‬القمة‭ ‬تصدرت‭ ‬بعض‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الأميركية‭ ‬والروسية‭ ‬خطاباً‭ ‬يوحي‭ ‬بأننا‭ ‬أمام‭ ‬“معركة‭ ‬الحسم”‭ ‬بين‭ ‬القوتين‭ ‬النوويتين‭ ‬،‭ ‬هذا‭ ‬التهويل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬صناعة‭ ‬للعناوين‭ ‬الجاذبة‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬محاولة‭ ‬لتأطير‭ ‬القمة‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬صراع‭ ‬صفري‭ ‬يهيئ‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬لتقبل‭ ‬أي‭ ‬مواجهة‭ ‬محتملة‭ ‬إذا‭ ‬فشلت‭ ‬المحادثات‭.‬

التاريخ‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬ففي‭ ‬قمم‭ ‬سابقة‭ ‬مثل‭ ‬هلسنكي‭ ‬2018‭ ‬لعب‭ ‬الإعلام‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬سقف‭ ‬التوقعات‭ ‬أو‭ ‬تعميق‭ ‬فجوة‭ ‬الشكوك‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬أي‭ ‬تنازل‭ ‬يبدو‭ ‬كـ”خسارة”‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور‭ ‬المحلي‭.‬

على‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬يتبنى‭ ‬إعلام‭ ‬آخر‭ ‬خطاباً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬التوتر‭ ‬مذكراً‭ ‬بمساحات‭ ‬التلاقي‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وموسكو‭ ‬من‭ ‬اتفاقيات‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‭ ‬إلى‭ ‬التنسيق‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬المناخ‭ ‬ومكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬،‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بعرض‭ ‬الوقائع‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬ذهنية‭ ‬أقل‭ ‬استقطاباً‭ ‬تسمح‭ ‬بإعطاء‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬فرصة،‭ ‬وتخفف‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الضغط‭ ‬الإعلامي‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬التفاوض‭.‬

الانقسام‭ ‬بين‭ ‬التهويل‭ ‬والتهدئة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬اختلاف‭ ‬مهني‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬انحيازات‭ ‬سياسية‭ ‬وأجندات‭ ‬استراتيجية‭ ‬،‭ ‬الإعلام‭ ‬بقدراته‭ ‬على‭ ‬تضخيم‭ ‬الخلاف‭ ‬أو‭ ‬إبراز‭ ‬المشتركات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ردع‭ ‬أو‭ ‬جسر‭ ‬عبور‭ ‬تبعاً‭ ‬للمصالح‭ ‬التي‭ ‬يخدمها‭.‬

في‭ ‬قمة‭ ‬ألاسكا‭ ‬سيتجاوز‭ ‬تأثير‭ ‬الإعلام‭ ‬حدود‭ ‬التحليل‭ ‬ليصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬بها‭ ‬الدول‭ ‬حروب‭ ‬النفوذ‭ ‬حيث‭ ‬تصاغ‭ ‬الرسائل‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬المحلي‭ ‬والعالمي‭ ‬على‭ ‬السواء‭.‬

القمة‭ ‬المرتقبة‭ ‬أيضاً‭ ‬تمثل‭ ‬فرصة‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬نضج‭ ‬الجمهور‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬،‭ ‬فالمتلقي‭ ‬اليوم‭ ‬و‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تدفق‭ ‬المعلومات‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يكتفي‭ ‬بمصدر‭ ‬واحد‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تأثير‭ ‬الإعلام‭ ‬متوقفاً‭ ‬على‭ ‬قدرته‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬رواية‭ ‬متماسكة‭ ‬ومنطقية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬شعارات‭.‬

الخلاصة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬قمة‭ ‬ألاسكا‭ ‬ليست‭ ‬اختباراً‭ ‬للزعماء‭ ‬فحسب‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬اختبار‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الإعلامية‭ ‬أيضاً‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬منصات‭ ‬توازن‭ ‬وعقلانية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الضجيج‭ ‬؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬ستواصل‭ ‬الرقص‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الاستقطاب؟‭ ‬و‭ ‬الإجابة‭ ‬ستتضح‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬البيانات‭ ‬الختامية‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬سيُعاد‭ ‬بها‭ ‬سرد‭ ‬الحدث‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬وشاشات‭ ‬الأخبار‭ ‬لتصنع‭ ‬ذاكرة‭ ‬سياسية‭ ‬قد‭ ‬تبقى‭ ‬لسنوات‭.‬

 

‭*‬مدير‭ ‬مكتب‭ ‬قناة‭ ‬“روسيا‭ ‬اليوم”‭ ‬بالرياض