القلق المنتج

| د.حورية الديري

‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتسارع‭ ‬فيه‭ ‬الأحداث‭ ‬وتتزاحم‭ ‬فيه‭ ‬التحديات،‭ ‬أصبح‭ ‬القلق‭ ‬رفيقًا‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭. ‬كثيرون‭ ‬يرونه‭ ‬عبئًا‭ ‬يثقل‭ ‬النفس‭ ‬ويعطّل‭ ‬الإنجاز،‭ ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬القلق‭ ‬ليس‭ ‬دومًا‭ ‬خصمًا،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬الوقود‭ ‬لتخطي‭ ‬العقبات‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭. ‬القلق‭ ‬المنتج‭ ‬هو‭ ‬طاقة‭ ‬خفية،‭ ‬تحرّك‭ ‬العقل‭ ‬نحو‭ ‬الإبداع،‭ ‬وتدفع‭ ‬القلب‭ ‬إلى‭ ‬المثابرة‭. ‬إنه‭ ‬الشعور‭ ‬الذي‭ ‬يجعلنا‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬قبل‭ ‬الموعد،‭ ‬نراجع‭ ‬التفاصيل،‭ ‬ونبحث‭ ‬عن‭ ‬طرق‭ ‬أفضل‭ ‬لتحقيق‭ ‬النتيجة‭ ‬المرجوة‭.. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬القلق‭ ‬الضار‭ ‬يستهلك‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬الخوف‭ ‬والتشتيت،‭ ‬فيسلب‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التركيز‭.‬

الفرق‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ ‬طريقة‭ ‬التوظيف‭.. ‬ولتحويل‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬قوة،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬تبدأ‭ ‬بتقبّل‭ ‬القلق‭ ‬لا‭ ‬مقاومته،‭ ‬ثم‭ ‬توجيهه‭ ‬نحو‭ ‬هدف‭ ‬واضح،‭ ‬وأخيرًا‭ ‬حماية‭ ‬الجسد‭ ‬والعقل‭ ‬من‭ ‬الإنهاك‭ ‬عبر‭ ‬النوم‭ ‬الكافي‭ ‬والرياضة‭ ‬والتنفس‭ ‬العميق‭. ‬الشباب،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم،‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬بفعل‭ ‬ضغوط‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل‭ ‬والمستقبل،‭ ‬لكن‭ ‬قصص‭ ‬النجاح‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الإنجازات‭ ‬العظيمة‭ ‬وُلدت‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬التوتر‭.. ‬فالمخترع‭ ‬الذي‭ ‬يسهر‭ ‬لياليه‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬فشل‭ ‬تجربته،‭ ‬قد‭ ‬يحقق‭ ‬اختراقًا‭ ‬علميًّا،‭ ‬والطالب‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬بضغط‭ ‬الامتحان،‭ ‬إن‭ ‬أحسن‭ ‬تنظيم‭ ‬وقته،‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬القلق‭ ‬كان‭ ‬سرّ‭ ‬تركيزه‭. ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل،‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يتهيّب‭ ‬عرض‭ ‬مشروعه‭ ‬أمام‭ ‬الإدارة،‭ ‬إن‭ ‬استثمر‭ ‬قلقه‭ ‬في‭ ‬التحضير‭ ‬والتمرين،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة،‭ ‬ويترك‭ ‬أثرًا‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬لدى‭ ‬الحاضرين‭. ‬وفي‭ ‬التعليم،‭ ‬الطالب‭ ‬الذي‭ ‬يحوّل‭ ‬توتره‭ ‬قبل‭ ‬الامتحان‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬بالمراجعة‭ ‬المنهجية،‭ ‬يلمس‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬في‭ ‬نتيجته‭ ‬النهائية‭. ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬الأفراد،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات،‭ ‬فبيئة‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬النقاش‭ ‬وتدعم‭ ‬الابتكار‭ ‬تحوّل‭ ‬قلق‭ ‬موظفيها‭ ‬إلى‭ ‬إبداع‭ ‬جماعي،‭ ‬والمدارس‭ ‬التي‭ ‬تعلّم‭ ‬طلابها‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الضغوط،‭ ‬تخرّج‭ ‬أجيالًا‭ ‬أقوى‭ ‬وأكثر‭ ‬مرونة‭.‬

القلق،‭ ‬إذًا،‭ ‬ليس‭ ‬إشارة‭ ‬خطر‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬جرس‭ ‬تنبيه‭ ‬يدعونا‭ ‬للاستعداد،‭ ‬للتطوير،‭ ‬وللمضي‭ ‬قدمًا‭ ‬بثقة‭. ‬وحين‭ ‬نتقن‭ ‬فنّ‭ ‬ترويضه،‭ ‬يصبح‭ ‬حليفنا‭ ‬المخلص‭ ‬في‭ ‬سباق‭ ‬الحياة،‭ ‬ويدفعنا‭ ‬نحو‭ ‬قمم‭ ‬الإنجاز‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نظن‭ ‬أننا‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬بلوغها‭.‬

‭* ‬كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بحرينية