مطلوب مرة أخرى!
| أسامة مهران
لم أظن أن الكلام عن القروض المصرفية الشخصية قد يكون مطلوبًا من مصرفيين كبار مرة أخرى، ظننت أن الناس هي التي ستطلب “كمالة” للمقال السابق عن الظلم البيّن الذي ترتكبه المصارف بحق المقترضين المتعثرين، ولم أعتقد أن فكرة التأمين التكافلي يمكن أن تتقدم كل الأفكار المرتبطة بالقروض الشخصية، وكيفية حماية أموال المودعين والمقترضين في آن واحد، لم يدر في مخيلتي أن شركات التأمين قد تنضم لصفوف المقترضين لتجأر بالشكوى هي الأخرى.
الكل يغنّي هذا الصباح على ليلاه، ولكن ليلى البنوك تختلف قطعًا عن أي ليلى أخرى، ليلى البنوك تقود سيارة بورش، وتستخدم حقيبة شانيل، وتسكن قصرًا مفروشًا بأفخم أنواع الأثاث، وأندر أنواع التحف. ليلى المقترضين هي التي تخص الذين فقدوا وظائفهم مثل “الطحين الذي نثروه.. فوق شوك بعثروه، ثم قيل لحفاة يوم ريح اجمعوه، صعب الأمر عليهم، قالوا يا قوم اتركوه، إن من أشقاه ربي، كيف أنتم تسعدوه!”، هو ما كان يُعبّر به أبو العلاء المعري وهو ينعى حظه التعيس. هكذا يبدو المشهد المزري للذين اقترضوا في الرخاء، فجثم الليل عليهم وضاعت وظائفهم، واختفت مؤسساتهم، وزالت فرصهم في العثور على فرصة أخرى وسط الحالة الوظيفية التي لا تخفى على أحد.
المصارف في قلب المعترك تحاول تجميع ما يمكن تجميعه من قروض مصنفة تحت بند “معدومة” أو “مشكوك في تحصيلها”، والمتعثرون لا ينامون الليل، ويقضون النهار الصيفي الصعب يبحثون عن ربع فرصة، أو ثغرة في لائحة، أو عيب في قانون.
الكل في خلاط الثروة والثروة المضادة يبحث عن حل جذري ناجع.
يقولون: البحث العلمي “هوا اللي بيجيب الذيب من ذيله”، حدث ذلك في كوريا ونجحت “هيونداي” مع البحث العلمي لتخرج من كبوتها وتنافس السيارات الألمانية واليابانية، ويقولون إنها الفرصة التي لا تأتي لمن يستحقها لكنها وللأسف الشديد تذهب فقط لمن لا يستحقها.
القروض المتعثرة كما الاقتصاديات النامية تقترض لكي تسدّد قروضًا عاجزة عن السداد، والمقترضون المصنفون تحت بند “سيء السمعة” لا يمكن تنظيف ملفاتهم وإعادة الاعتبار لحساباتهم إلا بعد أن يتم إلغاء الأحكام المتراكمة عليهم، واعتبارهم حديثي الولادة أو مثلما ولدتهم أمهاتهم.
لدى غرفة البحرين بيانات تحدثت عنها مجالس الإدارات السابقة تكشف إلى أي مدى لا يجب الانجرار إلى ما يسمى بريادة الأعمال، إلا عندما يتوفر سوق ينعش المبيعات ويكبر حجم السوق البحرينية. وتم ذات يوم منع ثلث أصحاب المؤسسات الصغيرة والفردية والمتوسطة من السفر والحجز على ممتلكاتهم وسياراتهم وربما على ملابسهم، لأنهم بدأوا حياتهم “اللاريادية” أو “اللاإرادية” بقروض تحت ما يسمى بـ “دعم رواد الأعمال”، ولكن الرواد فقدوا اللقب في أول اختبار حقيقي لهم. هنا كان يجب أن يتحرك السوق، وأن يُعاد التمويل لرائد الأعمال على أسس جديدة تراعي الظروف الاقتصادية المتغيرة والأوضاع الإقليمية غير المواتية، لكن ذلك أيضًا لم يكن، وظل الاشتباك على أشده متجاهلًا العوامل الصعبة الطارئة، ولم تعد هناك أدنى إمكانية لفض الاشتباك، وسط كسل تشريعي واضح من مجلس النواب الذي لم يتحدث أبدًا عن هؤلاء المتعثرين وكيفية علاج الأمر بالقانون وليس بالرجاءات التي لا تقدم أو تؤخر.
يقولون: إنها الغفلة، وأنا أقول إنها المسؤولية المجتمعية والاقتصادية الضخمة، والتي يلقي كل طرف بكرتها المشتعلة في ملاعب أخرى غير ملعبه، وكأن الجميع يريد أن يغسل يده من القضية برمتها؛ ليضع المتعثر الصغير أمام مسؤولياته وحده وليكن ما يكون.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية